فوزي المطرفي
05-09-2007, 07:42 PM
.
رؤية: فوزي المطرفي
حينما بدأ تيار الحداثة يصب في مجتمعاتنا الشرقية، تكاثرت الرؤى والنظريات وتباينت حول أهوال ما جاءت به، وأي حاجةٍ لفنٍّ يقتل الموروث ولا يعترف به؟! وعلى الطرف الآخر نشاهد دعاة العصرنة يحملون على عاتقهم، مسألة الترويج لأدق حيثيات الحداثة. ونحن لو أنصفنا الأمر، لامتثلنا عند ما قاله ابن القيم الجوزية:« اعطوا كل ذي حق حقه, وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته, لا تحكموا للسقيم بحكم الجيد، ولا الجيد بحكم السقيم, اقبلوا ما يقبل, وردوا مايرد». هذا منهج أهل العدل والإنصاف.
في خضم معارك الحداثة، ظهر رواج نظرية الناقد الفرنسيّ رولان بارت الشهيرة (موت المؤلف)، والتي تبلورت مع الطرح البنيويّ القائم على البحث داخل النصّ, ككيانٍ لغويٍ قائمٍ بذاته معزولٍ عن المؤلف. أي يتم استبعاد الكاتب تمامًا عن إنتاجه أثناء القراءة. ورغم إشكاليات النظرية في الكثير من أهدافها وعبثيتها، إلا أنني أجد أن عملية القراءة التي تتكون كما قيل من ثلاثة محاور، وهي: المؤلف والنّص والقارئ، لا يجب أن تركز على المؤلف وإسقاط الأحكام على منتج النصّ، يقول الدكتور عبدالملك مرتاض: «من أهمّ ما تكابده القراءة الأدبيّة هو المسألة المنهجيّة العويصة: فبأيّ منهج نقرأ النصّ الأدبيّ؟ وبأيّ الأدواتِ والإجراءات نحلّله ونؤوّله؟ ذلك أنّه بحكم انتماء هذا النصّ إلى حقل العلوم الإنسانيّة فقد يكون لكلّ محلّل منطلقاتُه الفلسفيّة أو المعرفيّة أو المنهجيّة أو الإدْيولوجيّة فيحاول إخضاع النّص المطروح للقراءة لبعض ما في نفسه من اقتناعات، كما سبقت الإيماءة إلى ذلك. فربما تكون هذه المشكلة مركزيّةً في تناوُل النّصّ وتحليله.. وحتّى إذا وقع تحليل نصّ واحدٍ من محلّلَيْنِ اثنين أو أكثر، افتراضًا، فإنّهما وإن انطلقا من منطلَقٍ فكريّ واحد، وإن استعملا أدوات وإجراءات واحدة، افتراضًا على الأقلّ، إلاّ أنّنا نتصوّر أن النتائج ستختلف، لدى نهاية الأمر، بالقياس إلى كلّ محلّل، أو قارئ، فكيف إذا اختلفت الرُّؤى والخلفيّات الفلسفيّة في قراءة النّصّ الواحد؟».
وبما أن القراءة من شخصٍ لآخر تختلف من حيث الوعي واتساع مدارك الفهم، بل حتى من الشخص نفسه، حيث يحصل أنّ النّص الواحد قد يُقرأ عدّة مرّات من شخصٍ واحدٍ، فيختلف عطاؤه ـ كما يقول مرتاض ـ في النظرة الناتجة من القراءة المتباينة، إمّا أن تكون سلبية أو إيجابية، وبالتالي يكون الانطباع النقديّ متباينًا أيضًا.
النقد/القضيّة
يقول أبو العلاء المعريّ:
في اللاذقية ضجةٌ
ما بين أحمدَ والمسيح
كلٌ.. يُحدّثُ دينه
يا ليت شعري ما الصحيح؟
- أنا كقارئ أرفض منهج الأبيات وأنكر على أبي العلاء هذا التشكيك، في حين أنّي أقف عند أبياتٍ إيمانية أخرى موقف المعجب بهذه النفحات.. فما الحكم؟
من ناحية الفصل في إيمانه، فحكمه عند الله سبحانه، هو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومن ناحية فنيّة أسلم له براعة الابتكار في القصائد التي تستحق إبداعًا؛ ما لم تتبجح على ما أؤمن به من عقيدة.. هل هذا الحكم منصف؟
لو قرأت قصيدة جنسية مقززة، أستطيع أن أقول براحةٍ ويسر: إن هذا الشعر -وإن كان يصف لحظات الجنس بحرفنة- لا يسوغ في ذوقي مطلقًا، لكني لا أحاكمه بالاتهام على كلّ التجربة الشعرية بسبب قراءة حصرية قد تكون سقيمة، بقدر ما أحاول أن أقول بتفنيد حريص: أراه هنا أساء وهناك أحسن. الإنصاف شريعة!
القراءة مفتوحة وشاسعة، وكلٌّ منّا يدرك من النصّ الشعريّ ما لا يدرك سواه، وفي اختلاف التأويل يحضرني المثال الذي قدّمه الناقد الإنجليزيّ إمسون في كتابه (سبعة أنماط من الغموض) حيث قدّم عبارة وناقش عملية إنتاج الدلالة استنادًا على هذه العبارة، وأوضح قبل كل شيء أن العبارة التي قدّمها خالية من الغموض الدلالي والنحويّ والتركيبيّ، هذه العبارة هي: «القطة البنّية تجلس على السجادة الحمراء»، حيث قال بأنّ عملية إنتاج الدلالة للقرّاء ستكون مغايرة، فمنهم من سيركّز على أن القطة بنية اللون، ومنهم من سيركّز على الجلوس، بينما سيركّز آخرون على أن السجادة حمراء اللون، وأردف ما قاله بأن عملية إنتاج الدلالة في جميع الحالات صحيحة ولا يمكن تخطئة القارئ بغضّ النظر عن قصدية المؤلّف من هذه العبارة، ويعلّق جمال خيّاط: «الدلالات التي أنتجت بناءً على العبارة كانت إنتاجًا سلبيًّا لا منتجًا، إذ لم تنتج عملية القراءة فعالية التأويل، فلو ترك القارئ لتأويل الفعالية التامّة؛ لتوفّر لنا عدد من الدلالات بما قد تستدعيه القطّة من دلالات جنسيّة اجتماعية، وما تستدعيه السجادة الحمراء من دلالات سياسية أو دينية، دون أن يغيب عن ذهننا وضوح العبارة وقصرها». كذلك أي كتابةٍ أدبية، شعرية كانت أم نثرية، فلابد من موازنة النظرة نحو ظروفها بشكلٍ كامل، وما قد تعنيه من معانٍ ودلالات، دون اللجوء إلى نقد الكاتب وإسقاط المعنى عليه مباشرة بما يحمل من مضامين. وبالتالي محاكمة جميع تجربته الشعرية بالسوء والفساد، تلك إذًا قسمة ضيزى!
.
رؤية: فوزي المطرفي
حينما بدأ تيار الحداثة يصب في مجتمعاتنا الشرقية، تكاثرت الرؤى والنظريات وتباينت حول أهوال ما جاءت به، وأي حاجةٍ لفنٍّ يقتل الموروث ولا يعترف به؟! وعلى الطرف الآخر نشاهد دعاة العصرنة يحملون على عاتقهم، مسألة الترويج لأدق حيثيات الحداثة. ونحن لو أنصفنا الأمر، لامتثلنا عند ما قاله ابن القيم الجوزية:« اعطوا كل ذي حق حقه, وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته, لا تحكموا للسقيم بحكم الجيد، ولا الجيد بحكم السقيم, اقبلوا ما يقبل, وردوا مايرد». هذا منهج أهل العدل والإنصاف.
في خضم معارك الحداثة، ظهر رواج نظرية الناقد الفرنسيّ رولان بارت الشهيرة (موت المؤلف)، والتي تبلورت مع الطرح البنيويّ القائم على البحث داخل النصّ, ككيانٍ لغويٍ قائمٍ بذاته معزولٍ عن المؤلف. أي يتم استبعاد الكاتب تمامًا عن إنتاجه أثناء القراءة. ورغم إشكاليات النظرية في الكثير من أهدافها وعبثيتها، إلا أنني أجد أن عملية القراءة التي تتكون كما قيل من ثلاثة محاور، وهي: المؤلف والنّص والقارئ، لا يجب أن تركز على المؤلف وإسقاط الأحكام على منتج النصّ، يقول الدكتور عبدالملك مرتاض: «من أهمّ ما تكابده القراءة الأدبيّة هو المسألة المنهجيّة العويصة: فبأيّ منهج نقرأ النصّ الأدبيّ؟ وبأيّ الأدواتِ والإجراءات نحلّله ونؤوّله؟ ذلك أنّه بحكم انتماء هذا النصّ إلى حقل العلوم الإنسانيّة فقد يكون لكلّ محلّل منطلقاتُه الفلسفيّة أو المعرفيّة أو المنهجيّة أو الإدْيولوجيّة فيحاول إخضاع النّص المطروح للقراءة لبعض ما في نفسه من اقتناعات، كما سبقت الإيماءة إلى ذلك. فربما تكون هذه المشكلة مركزيّةً في تناوُل النّصّ وتحليله.. وحتّى إذا وقع تحليل نصّ واحدٍ من محلّلَيْنِ اثنين أو أكثر، افتراضًا، فإنّهما وإن انطلقا من منطلَقٍ فكريّ واحد، وإن استعملا أدوات وإجراءات واحدة، افتراضًا على الأقلّ، إلاّ أنّنا نتصوّر أن النتائج ستختلف، لدى نهاية الأمر، بالقياس إلى كلّ محلّل، أو قارئ، فكيف إذا اختلفت الرُّؤى والخلفيّات الفلسفيّة في قراءة النّصّ الواحد؟».
وبما أن القراءة من شخصٍ لآخر تختلف من حيث الوعي واتساع مدارك الفهم، بل حتى من الشخص نفسه، حيث يحصل أنّ النّص الواحد قد يُقرأ عدّة مرّات من شخصٍ واحدٍ، فيختلف عطاؤه ـ كما يقول مرتاض ـ في النظرة الناتجة من القراءة المتباينة، إمّا أن تكون سلبية أو إيجابية، وبالتالي يكون الانطباع النقديّ متباينًا أيضًا.
النقد/القضيّة
يقول أبو العلاء المعريّ:
في اللاذقية ضجةٌ
ما بين أحمدَ والمسيح
كلٌ.. يُحدّثُ دينه
يا ليت شعري ما الصحيح؟
- أنا كقارئ أرفض منهج الأبيات وأنكر على أبي العلاء هذا التشكيك، في حين أنّي أقف عند أبياتٍ إيمانية أخرى موقف المعجب بهذه النفحات.. فما الحكم؟
من ناحية الفصل في إيمانه، فحكمه عند الله سبحانه، هو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومن ناحية فنيّة أسلم له براعة الابتكار في القصائد التي تستحق إبداعًا؛ ما لم تتبجح على ما أؤمن به من عقيدة.. هل هذا الحكم منصف؟
لو قرأت قصيدة جنسية مقززة، أستطيع أن أقول براحةٍ ويسر: إن هذا الشعر -وإن كان يصف لحظات الجنس بحرفنة- لا يسوغ في ذوقي مطلقًا، لكني لا أحاكمه بالاتهام على كلّ التجربة الشعرية بسبب قراءة حصرية قد تكون سقيمة، بقدر ما أحاول أن أقول بتفنيد حريص: أراه هنا أساء وهناك أحسن. الإنصاف شريعة!
القراءة مفتوحة وشاسعة، وكلٌّ منّا يدرك من النصّ الشعريّ ما لا يدرك سواه، وفي اختلاف التأويل يحضرني المثال الذي قدّمه الناقد الإنجليزيّ إمسون في كتابه (سبعة أنماط من الغموض) حيث قدّم عبارة وناقش عملية إنتاج الدلالة استنادًا على هذه العبارة، وأوضح قبل كل شيء أن العبارة التي قدّمها خالية من الغموض الدلالي والنحويّ والتركيبيّ، هذه العبارة هي: «القطة البنّية تجلس على السجادة الحمراء»، حيث قال بأنّ عملية إنتاج الدلالة للقرّاء ستكون مغايرة، فمنهم من سيركّز على أن القطة بنية اللون، ومنهم من سيركّز على الجلوس، بينما سيركّز آخرون على أن السجادة حمراء اللون، وأردف ما قاله بأن عملية إنتاج الدلالة في جميع الحالات صحيحة ولا يمكن تخطئة القارئ بغضّ النظر عن قصدية المؤلّف من هذه العبارة، ويعلّق جمال خيّاط: «الدلالات التي أنتجت بناءً على العبارة كانت إنتاجًا سلبيًّا لا منتجًا، إذ لم تنتج عملية القراءة فعالية التأويل، فلو ترك القارئ لتأويل الفعالية التامّة؛ لتوفّر لنا عدد من الدلالات بما قد تستدعيه القطّة من دلالات جنسيّة اجتماعية، وما تستدعيه السجادة الحمراء من دلالات سياسية أو دينية، دون أن يغيب عن ذهننا وضوح العبارة وقصرها». كذلك أي كتابةٍ أدبية، شعرية كانت أم نثرية، فلابد من موازنة النظرة نحو ظروفها بشكلٍ كامل، وما قد تعنيه من معانٍ ودلالات، دون اللجوء إلى نقد الكاتب وإسقاط المعنى عليه مباشرة بما يحمل من مضامين. وبالتالي محاكمة جميع تجربته الشعرية بالسوء والفساد، تلك إذًا قسمة ضيزى!
.