مها عبدالعزيز
07-11-2007, 12:36 AM
ذات مساء ....
أوراق الخريف الصفراء تتساقط على رأسها من تلك الشجرة الكبيرة ...وبأناملها الصغيرة التي مزجت معها كل براءة الطفولة تجمع الأوراق ا لجافة في حجرها وتسحقها بيديها كم تسحق الأيام أحلامها وبراءتها . ..عند عتبة الدار تحت ظل هذه الشجرة اعتادت هديل أن تجلس كل يوم في مكانها المفضل و الوحيد الذي تراقب العالم من خلاله كعرض مسرحي يومي ..أولاد الحارة وهم يلعبون في الشارع ..بائع ا لآيسكريم ..بقالة الحي ..متجر الأحذية. ..مشاهد متكررة تشاركها فيها دميتها الأثيرة إلى قلبها (لولو), وأحيانا تسرح في يومياتها المدرسية المريرة.. ومشهد تلك الطالبة الممتلئة السمراء ذات الضفائر الطويلة وتلك العينين السوداويين والوجه الدائري البريء الملامح تلك الطفلة البالغة من العمر عشرة أعوام والإخفاق الدراسي المتكرر هو السمة الملازمة لها فهي لا تزال في الصف الأول الابتدائي وقد سمعت مديرة المدرسة تقول لوالدتها ذات يوم بأنه سوف يتم تحويلها لبرامج التربية الخاصة إذا رسبت هذا العام ,وصوت لمعلمة الفصل وهي تؤنبها لازال يدوي في أذنيها.....
تسقط كرة أبناء الحارة بجوارها أثناء لعبهم.. تحملها لهم بفرح مع رغبة بمشاركتهم في العب وتبادر خالد : هل العب معكم ؟...فيخطف منها الكرة ويجري مسرعا .. تبتلع مرارتها وتنصرف ككل يوم.... فأبناء الحارة ممن هم في سنها لايحبون اللعب معها ودائما تسمعهم ينادونها بلهاء ..بلهاء.. لاتعي معنى هذه الكلمة جيدا ..ولكنها كرمح قاتل يصيب قلبها في الصميم ,وتعود لصديقتها الوحيدة -لولو- تضمها لحضنها وتشكيها همومها .... ولقد توقفت اليوم عند خروجها من المدرسة عند محل بائع الأحذية في الحارة - سالم- على أثر مناداته لها وابتسامته ونظراته التي لا تفهم معنى لها !!,هو الوحيد الذي تأنس بوجوده بالأمس أيضاً تبسم لها وأعطاها شوكولاتة وبادرها بقوله : كيف حالك ياهديل .. .واليوم يربت على كتفيها ويهمس في إذنها بكلمات تبتسم لها ..وتجري مسرعة للبيت للحضن الذي لاتمله أبدا لجدتها لتسمعها أحلى الحكايات والأناشيد ولتستمد من حضنها الدفء المفقود .
تسترخي على الأريكة لتشاهد التلفاز وتلتهم العديد من قطع الشوكلاته لتذيب في حلاوتها كل مرارة وقسوة الأيام عليها .. لتفاجأ بصيحات من أمها .. .لاتأكلي الكثير من الشوكلاته ...فلقد غدوت سمينة ..هيا انهضي لحل الواجبات المدرسية ..تنهض بكسل لغرفتها تلملم بعض أوراقها ثم تعود لتجلس بجوار أخيها ماجد ... يطلب منها أن تحضر له كأسا من الشاي ,فتنهض مسرعة وتقدمه له وفجاءة... يسقط الكأس لينسكب في حضنه ....وصرخات عالية ..سيل من الشتائم ..وكلمات ..أنت لا تنفعي لشيء أبدا ...أنت بلهاء .....
تخرج وتلقي بنفسها تحت تلك الشجرة عند عتبة الدار..اضطراب شمل كيانها.. وتبحر بها الأفكار في عالم آخر ..غريب
ترى سالم ..آه أنه هو.. بعينيه الضيقتين وشعره الأشعث وبشرته السمراء وقميصه المنقوش باللون الأزرق وبنطال الجينز الضيق , يقف على باب المتجر ويدخن ..ترمقه بفرح وتتجه نحوه وتحييه ..يمسك بيدها برفق ويضغط عليها ويدخل معها للمتجر , تبادره : سالم أعطني حذاء جديداً ألبسه في المدرسة ..هذا ..لا ..هذا ..
- أوه ..حسناً ..حسناً
يخرج حذاء رمادياً زين بشرائط حمراء ..يسألها ما رأيك في هذا الحذاء, أنه جميل جداً ..هو لك ..ولكن ليس اليوم ..في مساء الغد سوف أقدمه هدية لكي ..!!
- إذن دعني أجربه ..
- لا أنا ...سوف ألبسك الحذاء ..
تجلس على الكرسي ..يتحسس رجليها ..ويلبسها الحذاء.
-إنه جيد ...غداً في المساء سوف أعطيك إياه.
تعود للمنزل وفي قلبها الصغير باقات من الأماني للغد المنتظر ..وفي اليوم التالي تجلس مع غروب الشمس على العتبة في إنتضار سالم والحذاء ...يقبل سالم في أبهى حلة له ويبتسم لها ...تبادره ببراءة : أين الحذاء ؟
-هو معي في السيارة ...سوف نذهب للسيارة معاً لإحضاره ..
تركب السيارة ولا تعلم أين يتجه بها سالم؟ ولا إلى أين وصلت السيارة ؟ سوى مكان موحش وقطع من الشوكولاتة مقدمة
لها من سالم ...وهمسات في أذنها ...ولحظات قرب.. وخوف..وألم ..ولذة ...!!
وفي ذات المساء تعود هديل للمنزل وبحوزتها الحذاء. . ..وأشياء أخرى ..!!
وفي مساء اليوم التالي تقف إمام المرآة طويلا .. تهذب شعرها ..وترتدي فستان جميل ..وتلبس حذاء سالم ..في إنتضار موعد
لمساء آخر باهت رحلت فيه الشمس بلا عودة .....
انتهت
أوراق الخريف الصفراء تتساقط على رأسها من تلك الشجرة الكبيرة ...وبأناملها الصغيرة التي مزجت معها كل براءة الطفولة تجمع الأوراق ا لجافة في حجرها وتسحقها بيديها كم تسحق الأيام أحلامها وبراءتها . ..عند عتبة الدار تحت ظل هذه الشجرة اعتادت هديل أن تجلس كل يوم في مكانها المفضل و الوحيد الذي تراقب العالم من خلاله كعرض مسرحي يومي ..أولاد الحارة وهم يلعبون في الشارع ..بائع ا لآيسكريم ..بقالة الحي ..متجر الأحذية. ..مشاهد متكررة تشاركها فيها دميتها الأثيرة إلى قلبها (لولو), وأحيانا تسرح في يومياتها المدرسية المريرة.. ومشهد تلك الطالبة الممتلئة السمراء ذات الضفائر الطويلة وتلك العينين السوداويين والوجه الدائري البريء الملامح تلك الطفلة البالغة من العمر عشرة أعوام والإخفاق الدراسي المتكرر هو السمة الملازمة لها فهي لا تزال في الصف الأول الابتدائي وقد سمعت مديرة المدرسة تقول لوالدتها ذات يوم بأنه سوف يتم تحويلها لبرامج التربية الخاصة إذا رسبت هذا العام ,وصوت لمعلمة الفصل وهي تؤنبها لازال يدوي في أذنيها.....
تسقط كرة أبناء الحارة بجوارها أثناء لعبهم.. تحملها لهم بفرح مع رغبة بمشاركتهم في العب وتبادر خالد : هل العب معكم ؟...فيخطف منها الكرة ويجري مسرعا .. تبتلع مرارتها وتنصرف ككل يوم.... فأبناء الحارة ممن هم في سنها لايحبون اللعب معها ودائما تسمعهم ينادونها بلهاء ..بلهاء.. لاتعي معنى هذه الكلمة جيدا ..ولكنها كرمح قاتل يصيب قلبها في الصميم ,وتعود لصديقتها الوحيدة -لولو- تضمها لحضنها وتشكيها همومها .... ولقد توقفت اليوم عند خروجها من المدرسة عند محل بائع الأحذية في الحارة - سالم- على أثر مناداته لها وابتسامته ونظراته التي لا تفهم معنى لها !!,هو الوحيد الذي تأنس بوجوده بالأمس أيضاً تبسم لها وأعطاها شوكولاتة وبادرها بقوله : كيف حالك ياهديل .. .واليوم يربت على كتفيها ويهمس في إذنها بكلمات تبتسم لها ..وتجري مسرعة للبيت للحضن الذي لاتمله أبدا لجدتها لتسمعها أحلى الحكايات والأناشيد ولتستمد من حضنها الدفء المفقود .
تسترخي على الأريكة لتشاهد التلفاز وتلتهم العديد من قطع الشوكلاته لتذيب في حلاوتها كل مرارة وقسوة الأيام عليها .. لتفاجأ بصيحات من أمها .. .لاتأكلي الكثير من الشوكلاته ...فلقد غدوت سمينة ..هيا انهضي لحل الواجبات المدرسية ..تنهض بكسل لغرفتها تلملم بعض أوراقها ثم تعود لتجلس بجوار أخيها ماجد ... يطلب منها أن تحضر له كأسا من الشاي ,فتنهض مسرعة وتقدمه له وفجاءة... يسقط الكأس لينسكب في حضنه ....وصرخات عالية ..سيل من الشتائم ..وكلمات ..أنت لا تنفعي لشيء أبدا ...أنت بلهاء .....
تخرج وتلقي بنفسها تحت تلك الشجرة عند عتبة الدار..اضطراب شمل كيانها.. وتبحر بها الأفكار في عالم آخر ..غريب
ترى سالم ..آه أنه هو.. بعينيه الضيقتين وشعره الأشعث وبشرته السمراء وقميصه المنقوش باللون الأزرق وبنطال الجينز الضيق , يقف على باب المتجر ويدخن ..ترمقه بفرح وتتجه نحوه وتحييه ..يمسك بيدها برفق ويضغط عليها ويدخل معها للمتجر , تبادره : سالم أعطني حذاء جديداً ألبسه في المدرسة ..هذا ..لا ..هذا ..
- أوه ..حسناً ..حسناً
يخرج حذاء رمادياً زين بشرائط حمراء ..يسألها ما رأيك في هذا الحذاء, أنه جميل جداً ..هو لك ..ولكن ليس اليوم ..في مساء الغد سوف أقدمه هدية لكي ..!!
- إذن دعني أجربه ..
- لا أنا ...سوف ألبسك الحذاء ..
تجلس على الكرسي ..يتحسس رجليها ..ويلبسها الحذاء.
-إنه جيد ...غداً في المساء سوف أعطيك إياه.
تعود للمنزل وفي قلبها الصغير باقات من الأماني للغد المنتظر ..وفي اليوم التالي تجلس مع غروب الشمس على العتبة في إنتضار سالم والحذاء ...يقبل سالم في أبهى حلة له ويبتسم لها ...تبادره ببراءة : أين الحذاء ؟
-هو معي في السيارة ...سوف نذهب للسيارة معاً لإحضاره ..
تركب السيارة ولا تعلم أين يتجه بها سالم؟ ولا إلى أين وصلت السيارة ؟ سوى مكان موحش وقطع من الشوكولاتة مقدمة
لها من سالم ...وهمسات في أذنها ...ولحظات قرب.. وخوف..وألم ..ولذة ...!!
وفي ذات المساء تعود هديل للمنزل وبحوزتها الحذاء. . ..وأشياء أخرى ..!!
وفي مساء اليوم التالي تقف إمام المرآة طويلا .. تهذب شعرها ..وترتدي فستان جميل ..وتلبس حذاء سالم ..في إنتضار موعد
لمساء آخر باهت رحلت فيه الشمس بلا عودة .....
انتهت