مشاهدة النسخة كاملة : حدث في غرفة النوم
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:10 AM
حدث في غرفة النوم للكاتب :حمود الصهيبي مجموعة قصصية حياةالإنسان لاتقاس(بطول)السنين ؛بل(بعرض) الأحداث. (علي الطنطاوي) 000 00 0 لعله من عجائب الحياة ،إنك إذا رفضت كل ما هو دون مستوى القمة ، فإنك دائما تصل إليها (سومرست موم)
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:11 AM
المقدمة: عودتنا المقدّمات ـ سواء للأعمال القصصية أو الروائية أو الشعرية أو الأدبية عموماً ـ على تصفح قراءة نقدية للعمل الذي يبتدئ بها. وفي مقدمتي هذه لن أصل إلى ذلك الحدّ، فكّل ما آمله في مجموعتي القصصية الصغيرة هذه أن أضع القارئ أمام صور عن حياة الناس وإشكالياتهم ومشاعرهم وقلقهم في حياتنا اليومية. وما أرغبه حقاً وعلى وجه الخصوص أن تكون قصصي هذه تديمةاً عن الوجدان والضمير الجمعيين لأناس اختبرت تجربتهم شخصياً وشهدتها بطريقة أو بأخرى. وشأني شأن أي كاتب أو عامل في الحقول الإبداعية المختلفة آمل من قلبي أن تمتع قصصي هذه قارئها، وأن تسهم في صقل وجداننا بشكل عام. والله ولي التوفيق حمود الصهيبي الموقع الشخصي alsuhiby.com alsuhiby@hotmail.com فبراير 2010
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:12 AM
(1)
صديقنا الذي تبخّر
حدث هذا في إجازة العيد، وتحديداً في نهايتها، حيث كنت عالقاً ببعض المشاكل وأعاني من الكثير من الضغوط، ولم يكن في حسباني أني سأزور أحداً، أو أتبادل الأحاديث عن الهموم مع أي من أصدقائي. كنت قد انتويت أن أفرض على نفسي نوعاً من العزلة الاختيارية حتى أعالج مشاكلي، لكن ـ فجأة ـ رن جرس هاتفي الخليوي رنيناً خاصاً في إحدى المدن التي لا هي قريبة ولا هي بعيدة. وكنت قد اعتدت أن ألتقي بصديقي هذا كل بضعة أشهر، فإما أن أذهب لزيارته وإما أن يأتي لزيارتي، وكنا نقضي الوقت بالحديث عن طفولتنا وشبابنا ومدارسنا وآمالنا، التي تكسر بعضها في رحلة الحياة العجيبة وتحقق بعضها، وكان الجزء الأهم من جلساتنا يتعلّق بصديق ثالث أمضينا معه تلك المرحلة الجميلة من أعمارنا، ثم مضى لمتابعة دراسته في مدينة بعيدة وانقطعت أخباره عنّا. ذلك الصديق الثالث كان موضوع مكالمتنا هذه المرة، فاجأني صديقي سالم بأنه قادم إليّ خصيصاً لتهنئة صديقنا الثالث بمنصبه الجيد والذي عيّن به في مدينتي الرياض. -لكن متى عين في الرياض؟ -منذ ثلاثة أشهر. قالي لي سالم وشعرت بما يشبه الأسى فكيف يعين صديقنا الثالث في مدينتي منذ ثلاثة أشهر ولا يتصل بي على الأقل!؟ قلت لنفسي ربما لم يجد طريقة للاتصال أو السؤال أو الاستفسار عني، لكن صوت سالم أخرجني من تساؤلاتي -يجب على الأقل أن نهنئه بمنصبه الجديد -بالتأكيد. أنا بانتظارك قلت لسالم. مرّ الوقت وذلك الشعور الذي يشبه الأسى لا يبارحني، تذكرت صديقنا الثالث وأحاديثنا وأحلامنا عن الأعمال الجيدة التي سنقوم بها عندما نكبر، وعن الفتيات الجميلات اللواتي سنقترن بهن، وعن الوفاء الذي سيجمعنا طيلة أعمارنا وما شابه. صديقنا الثالث كان خفيف ظل إلى درجة أن يحوّل أي شيء ومهما كان جدياً إلى ما يشبه الدعابة، وكان كريماً إلى درجة أنه في أحايين كثيرة يظل يدفع عنا حتى نكتشف أنه قضم كل ما بجيبه دون أن يسمح لنا حتى بالتفكير في الدفع عنه، وآنذاك كنا نلومه بالطبع ونعيد اقتسام ما لدينا دون تردد. لم يكون يمرّ يوم واحد دون أن نتواصل ونتبادل الأحاديث والدعابات والآمال والآلام التي تضطرم في قلوب اليافعين. ابتسمت وأنا أتذكر دعاباته وأمازيحه، ثم ما لبثت أن ضحكت وأنا أتذكر ملامحه السمراء وعينيه القاتمتين الضاحكتين دائماً والحالمتين دائماً والمليئتين بالطيبة والمودّة. امتلأت بالشعور بالشوق لرؤيته بعد كل هذهِ السنين ونسيت شعوري بالخيبة لأنه لم يحاول الاتصال بي منذ ثلاثة أشهر، وحاولت إيجاد الأعذار والمبررات المختلفة لذلك الأمر، وبدأت أتخيل كيف سنلتقي وكيف سأذكره بأيامنا، وأحاول نبش ذاكرتي لأخرج منها صور وكلمات وأصوات اللحظات الجميلة التي تقاسمنا نحن الثلاثة. أخيراً وصل سالم، وبعيد السلام مباشرة هتف: -لن نتحدث بأي شيء مهمّ دونه، سنمضي مباشرة إلى مكتبه ونؤجل أحاديثنا الجميلة حتى نراه. -طبعاً قلت لسالم، وأنا أشعر كم هو متلهّف ومستثار لرؤية صديقنا "الثالث"، ومن الواضح أنه كان ـ مثلي ـ يفكّر طيلة الوقت بتلك الأيام الطيبة. لا أعرف كيف اجتزنا الشوارع والمباني والساحات ووصلنا فقد كنت طيلة الوقت أفكر بذلك الثالث وأتمنى أن يكون قد حقق كل النجاحات التي حلم بها عندما كنا معاً، أو معظمها على الأقل.. دخلنا المبنى الضخم، ووصلنا إلى مدير المكتب بعد بضعة طوابق، وأعطيناه أسماءنا كي ينقل رغبتنا لزيارة ذلك الصديق، فمضى مدير المكتب ليخبره بذلك، بذات الوقت الذي تخيلنا أنه سيخرج من مكتبه هاشاً باشاً لاستقبالنا وسيأخذنا بالأحضان ـ كما يقولون ـ وسنسترجع ذكريات أيامنا الأجمل. أيام الصداقات البريئة، لكننا بدلاً من ذلك شاهدنا مدير المكتب يعود ويطلب منا المضيّ معه إلى صالة الانتظار. خيم شعور بالخيبة علينا نحن الاثنين وجلسنا، أمام ساعة حائط كبيرة. مضت الدقائق وصوت عقرب الثواني يصبح أعلى فأعلى بعد كل دورة حتى تخيلت أن ذلك الصوت يطغى على كل من في الصالة. من جهتي بحثت له عن أعذار، ربما يكون مشغولاً وربما يكون عمله مهماً وعليه أن ينهي ذلك العمل المهمّ كي يتفرغ لاستقبالنا كما يليق. مرّت الدقائق طويلة وصوت عقرب الثواني يتك ويتك ويصبح أشبه بالضجيج في رأسي، وربما في رأس سالم أيضاً. عشر دقائق، ثلاثة عشر دقيقة، ستة عشر، وفي الدقيقة الواحدة والعشرين سمعنا هرجاً ومرجاً وضحكاً ثم رأينا من الممرّ أشخاصاً يودعون صديقنا الثالث والذي كان يودّعهم بصوت صادح فرح مبتهج. من الواضح أن الأحاديث التي كان الزوار يتبادلونها مع صديقنا الثالث لا تتعلق بالعمل وإلا لما كان قال لهم في النهاية: -نلتقي على العشاء ونتابع الحديث فلدي القليل من العمل الآن طال انتظارنا دقيقتين أخريين أطول من كل ما سبق وأخيراً جاء مدير المكتب ودعانا للدخول. عندما اجتزنا باب مكتب صديقنا "الثالث" واجهنا رجلاً غريباً لم يكن يشبه كثيراً صديقنا "الثالث" إلا من حيث التقاسيم والهيئة والطول ولون البشرة، وبالرغم من أنه لا يمكن القول أبداً أن هذا الرجل ليس صديقنا "الثالث" إلا أن هناك شيئاً غريباً. الرجل الذي واجهناه بدا رجلاً متجهماً يحاول الظهور بمظهر الرجل المهمّ والذي لم يكون يضحك مع أصدقائه الآخرين منذ دقيقتين فحسب. بالكاد وقف وراء مكتبه ليصافحنا، وبالكاد خرجت الكلمات منه، والأنكى من كل ذلك حاول أن يظهر أنه بالكاد تذكرنا. تحدثنا عن أحلامنا عن مدارسنا فتذكر لكن كما لو أنه لم يتذكر، وسرعانها خيّمت وطأة ثقيلة على جلستنا وبدأنا نتململ حتى وجدنا الأعذار لنخرج من مكتبه بأسرع ما يمكننا. أول شيء فعله سالم أنه أخرج رقم صديقنا الثالث وأعطى أمر الإلغاء لهاتفه الخليوي، أدركت قوة المشاعر التي تخيم عليه، وقلت له: -لا تلغ الرقم، إنه صديقنا. ردّ سالم بأسى: -صديقنا الذي نعرفه تبخر. تبخر يا صديقي. ومضت السيارة وأنا أشعر أن ذلك الوجه الشمعي للمسؤول لا يشبه وجه صديقنا الذي نعرفه بشيء، وأن صديقنا فعلاً قد تبخر.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:12 AM
(2)إجازة العيد
قـطعت تذكرة سفر مفتوحة من مكتب الحجز، ومنها ذهبت إلى مكتب صعود الطائرة لأبرز بطاقتي الرسمية والتي استغلها في مثل هذه المواقف في العادة، أرى أي الموظفين أكثر رحابة وأتوجه إليه وغالباً ما أكون موفقاً في هذه الجزئية. وجدت من الموظف القبول وقال لي انتظرني لحظات وأخذ مني تذكرة السفر. وكنت أتلهّى بملاحظة الوجوه وأتأملها تارةً وأسرح عنها تارات، وبينما كنت سارحاً وإذ بالموظف يناديني: تفضل تذكرة الصعود حاول أن تسرع إلى البوابة المحددة. كعادتي لم أكن أحمل سوى حقيبة صغيرة بداخلها بعض الأوراق واللاب توب الذي أحب أن يكون معي حتى وإن لم استعمله ولكن ليطمئن قلبي، ذهبت إلى البوابة مع النداء الأخير للرحلة فوجدت المكان خالياً أمام البوابة. كان جميع المسافرين في الأماكن المخصصة لهم كما هو محدد في بطاقة الصعود. لما ولجت الطائرة كانت جميع الوجوه تنظر لي وكأن لي شأن في تأخير تلك الرحلة. لم أكن أعلم أني سأسافر أقولها لنفسي وأنا أتوجّه إلى المكان المخصص لي، وبما أني أحب أثر الأمكنة هدوءاً عندما تغلق الأبواب، أشرع بالبحث عن هذه الأمكنة فإن وجدتها "فبهِ ونعمت" وإن لم أجدها "أرجع إلى قواعدي سالماً" أعود إلى مكاني، ولما كانت عيناي تبحثان عن بغيتي، تسمّرتا فجأة على وجه إحداهن، ووجدتني أسكن بذلك الوجه وعندنا التقت عيوننا أحسست أنه صار لقلبي جناحان، فاخترت أكثر الأمكنة قرباً لها وجلست وأنا ألحظ أنها غير آبهة بمن حولها. إنها المرة الأولى التي أصبح بها أكثر جرأة لا شجاعة لأن للشجاعة أمكنة أخرى ومواقف أخرى، وأنا أحب تلك المواقف التي تدعوك لأن تحبّها هي بحدّ ذاتها بل تدعوك لأن ترغب كتابتها. جلست بحيث أستطيع رؤيتها وتستطيع رؤيتي دونما أي حرج، وهكذا كنت أراها بينما كانت العيون الأخرى ترقب من زاوية أكثر وضوحاً، فعيون المراقب ترى ما لا يراه المرتقب. أخرجت بعضاً من كتبي وأوراقي في محاولة مني لقرائتها، لكن الحقيقة غير ذلك. ثمة نساء كثيرات في تلك الرحلة، والرجال أكثر بطبيعة الحال لكنها كانت تختلف عن الجميع بتلك الجاذبية التي تبدو ـ لي على الأقل ـ مشعّة وخلابة. أخيراً أعلن الكابتن عن وجوب ربط الأحزمة، فيما بدأت إرشادات السلامة، والتي لا يمكنها أن تجلب السلامة فيما لو وقع المكروه، ولكنها تقال فيما يبدو كي تطمئن القلوب أما حينما يقع ما يقع فلا الأحزمة ولا الإرشادات لها ضرّ أو نفع. والمهمّ أننا تبعنا الإجراءات التي تنصّ عليها توجيهات المضيف حتى ولو كنا كارهين، ففي الحياة ما هو أهم من القناعة أو عدمها في بعض ما يكون وبعض ما لا يكون. أخيراً أخذت الطائرة المدرج المخصص لها بعد توجيهات برج المراقبة، وبدأت الطائرة بالتحرّك فيما القلق يخيّم على كل الوجوه حولي بما من فيهم صاحبة تلك الجاذبية حتى وإن تظاهرت بغير ذلك. في تلك اللحظات عاودني ذلك الضجر مما سمعته من بعض الأقارب حولي، ولعلني كنتُ أحاول الابتعاد عنهم ولو لوقت قليل كي لا يحدث ما لا تحمد عقباه، لكن تذكر تلك التفاصيل ألهاني عما يحدث، فقد أقلعت الطائرة وأنا شارد الذهن، وبدأ الخوف يسكن وجوه من حولي بمن فيهم "هي"، وكنت أحاول أن أطمئنها دونما كلمات وبلغة العيون كما يقولون، فقد كنت أجيد تلك اللغة الربانية العالمية والتي لا تحتاج إلى مترجم. بدأت الطائرة تستوي في السماء وتتخذ مسارها الجوّي، وأعلن المضيف حالة زوال الخطر وحرّية التجوّل في الطائرة حين الضرورة، وفككت الحزام لآخذ راحتي وأنا استرق النظر إليها، فيما صارت ترمقني بكل ما أوتيت من حدة البصر. ابتسمت لها وأنا أجدها بنفسي ناسياً تلك المشاعر المضجرة التي كانت تعتمل في نفسي قبيل المغادرة. وبطبيعة الحال لم أستطع القراءة كما كنت أزعم لنفسي وللآخرين!! صحيح أنني كنت أتصفح الكتاب الذي بين يدي، إلا أنني كنت مشغولاً عنه بها، وكنت أنظر لها بحذر شديد خوفاً من أن تلحظ والدتها حديثنا الصامت، وفي لحظات كثيرة التقت عيوننا لا بل تعانقت عناق الأحبة وكأننا نعرف بعضنا من زمن ليس بقريب. كانت تحرك أصابعها بين لحظة وأخرى، ولم أستطع فعل شيء سوى مجاراتها بما تفعل. شعرت بشيء داخلي يتلبسني كما أشعر دائماً، وأخذت المضيفة وجبة الطعام، لكن ما إن مضت إلا وعادت نظراتنا للتلاقي، لكن بعمق أكثر من ذي قبل وبشغف الشوق الذي اعتمل بيننا. كنت أحس بذلك الشعور "معهن" إلا أنه أعمق وأجمل معها. حاولت أن أتملّى ملامحها وأن أرسمها من خلال ما رأيته منها، وفي لحظات كثيرة سولت لي نفسي لو يمتدّ إلى ما هو أكثر من عينيها لأرى ملامحها عن قرب، لا بل لكي أتحسسها. أتذكر أنها كانت تضع نقاباً، وأتذكر أن عينيها سوداوان واسعتان تثيران البهجة في النفس. مرت نظراتي من خلال ما أتيح لي، وهي تشعر بذلك وتتعمد أن تبدي لي بعضاً من مفاتنها بحجة الأكل، وأنا أختلس النظر بكل ما أوتيت من جرأة وحدة بصر، رأيت ما جعلني أصبح أكثر طلباً للحديث معها وأكثر جرأة ـ أي تلك الجرأة التي تقترب من الوقاحة ـ فأنا بتلك الحالة أشعر بما أشعر به لا بما يتقوّله الناس. دامت تلك النظرات عمر الرحلة كله، لكن عمر الرحلة محدود كأعمارنا التي تتناقص كل لحظة، وإذا بصوت المضيف يعلن للجميع الجلوس في مقاعدهم استعداداً للهبوط، وإذا بي أراقب عقرب الساعة كأنني أرغب في تأخيرها.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:13 AM
(3)ابرستيج
كان المكان يتّسع لأكثر من عشيقين كذلك القلب الذي تعب وأتعبه معه. لم يكن المكان صاخباً ولا مزدحماً رغم أن معظم الطاولات تكتظ بزبائنها والذين لا تبدو عليهم أية شهية للطعام، مثله تماماً، لكن "ابرستيج" المكان يفترض أن يستقبل الندّل الضيوف ويخيّرونهم الأمكنة التي يودون الجلوس بها. قادته المضيفة إلى مكان هادئ، لكنه ابتسم للمضيفة معلناً عن رغبته بمكان أفضل، فجالت به بين الورود لتدلّه على طاولة، وإذ بعينيه تقعان على ما لم يخطر حتى على قلبه وعلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت أحلى وأجمل. كن ثلاثة: هي صديقتها وثالثة أكبر سناً، وكانت تبدو كما لو أنها تشغل المكان كلّه، كانت تبدو كالشمس فيما يبدو وكل الحاضرين كعباد الشمس وهم يرنون بنظراتهم نحوها. أخذ بها ونبهّته المضيفة برفق وهي تقدّم القائمة، ولا بد له من أن يطلب شيئاً ليظل على قيد الحياة، فتلك هي قوانين هذه الأمكنة. لم يكن يوجد ما يقطع خط النظر بينه وبينها، شعر أنه يقرأ كل ما تقوله له عيناها قبل أن تهمس به لصديقاتها نظراتها جعلته يضطرب وضحكاتها أمدته بشيء من الحياة إن لك يكن بها كلها، ودونما أي شيء ابتسم لها وتمتم ببضع كلمات لم يفهمها حتى هو، لكن ربما فقط كي يقنع نفسه أنه تكّلم معها!! وقف ينتظرها خارجاً، طال الوقت وتطاول وعقارب ساعته اليدوية تبدو بطيئة بطيئة لا بل ميتة أحياناً، وأخيراً خرجت لتجده، أشعت عيناها بالدهشة للحظات ساحرة وهتفت بما يشبه السؤال: لازلت هنا وكعادته تمتم ببضع كلمات لم يفهم حتى هو منها سوى كلمة "نعم" ثم وبيدين مرتعشتين قدّم لها كتاباً يحمل بعضاً منه، وغادر المكان تاركاً قلبه معها. وأظن أنه مازال ينتظرها وينتظر ما تبقى منه عندها علّه يحيا بها.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:14 AM
(4)نبض أكثر
البرود يكتنف عالمه الداخلي كلّه وهو يتجاوز شوارع المدينة دون هدف محدد، ولما تبتعد البيوت وتضحي الصحراء المترامية الأطراف بحراً مغطى بأشعة الشمس يأمل أن تمضي تلك البرودة دون رجعة، لكن حتى حرّ الشمس الحارقة لا يفعل شيئاً. لما شعر ـ بدايةً ـ بالفتور طالبها بنبض أكثر بينهما حتى لا تجمد مشاعرهما تحت جبال من الجليد، فقد أحسّ حينها أن نبضاته تتباطأ.. تبرد أو حتى تتوقف. لم يعد يحب نفسه بالرغم من أنه كان حاضراً في كل حالاته، وربما هي أيضاً لم تعد تجده في نفسها، لكن التكتم والخجل من المكاشفة منعاها من البوح بالرّغم من براعتها في الاصطياد.. اصطياد.. الكلمات المعاني العبارات والقلوب أيضاً. وفيما شعر أنه كان صادقاً معها في كل تفصيلة ـ مهما كانت صغيرة ـ بدا له أنها لم تكن صادقة في شيء، ولا أي شيء، إذ لا شيء يصدر منه يشعلها أو حتى يشغلها سوى حرفه، وحتى حرفه لم تعد تبعث بها ذلك الشعور بالمبالاة أحياناً. بالنسبة له كانت مبعث الإلهام، فعندما يجلس خلف طاولته تستحضر ذاكرته صورتها ثم كلماتها رنين ضحكاتها، فيسلم روحه لكل ذلك ويكتب كما لو أنه ينزف، ويسوّد بياض أوراقها هي.. وهي بالذات بمداد نزفه.. في لحظة ما بدت له أشبه بالأوراق التي يسوّدها، ظهرها يشبه إطلالتها، لا يمكن استكناه أي شيئ من الاثنين، وبدا له أيضاً أن من يهدي أكثر يحظى بما يبعث على تسويد الأوراق أكثر، وإثر ذلك شعر أن الكلمات تخونه والعبارات تتبعثر، وكل فحولة حروفه لم تعد قادرة على فض بكارة أي من بنات أفكاره كي تضيئه مرة أخرى. يتساءل ما الذي جذبه إليها بالذات ولا يجد أية إجابة، لكنه يستعرض ما قيل له عنها "إنها الأجمل والأشهى" فيقرّر أن هذا الفخ تحديداً ـ فخ الجمال ـ هو ما أوقعه بكل هذه الفوضى، وهذه المشاعر التي لا تني تضيّق الخناق على نفسه. قبيل استشراء تلك المشاعر الخائفة، ظل يتردد لإسبوع عليها ولكنها غائبة، تردد بعض ذلك فترة من الزمن ليرقبها أو ليحاول مراقبتها، لكن طيلة تلك الفترة لم يرها ولم تره، وربما لم ترد السماح له برؤيتها، ولما وقعت عيناه عليها خيل إليه أنها كتلة من الثلج صحيح ليس لها لون الثلج. لكنها ثلج.. ثلج.. أو حتى جليد. أراد حينها لو تشاركه نبضه فتدفأ معه وتخطى بتلك الحرارة، لكنها أضحت قاسية صلِدة، بالرغم من أن الآخرين قد يرونها غير ذلك، وكان مؤمناً أن ما شف أعظم مما كشف. آنذاك دنا منها ليدعوها لنبضه، استحضر أكثر الكلمات عذوبة، ذكرها بكل ما هو جميل ومشرق لكنها بقيت متوجسة خائفة. أراد أن يحدّثها بكل ما أوتي من البلاغة المؤثرة على النساء، وبعد عيّ استدرجها للحديث، لكنها وبصوت طغى عليه "السكر" أخذت تحدّثه عن انتصاراتها، لم تكن علاقاتها بالآخرين سوى معارك وانتصارات وهزائم، أما أنا فلم أكن أرى أن للعلاقات بين الرجال والنساء أي شأن حربي!!! كانت تتحدّث وتتحدّث ولم يكن يسمعها حقاً، بل يتخيل أنه يقترب منها، يداعبها، ينزع عنها ثيابها، ويتساءل إن كانت لها رغبة به حقاً، استجمع كل حروفه البديعة ليغرق تلك الورقة البيضاء أحاسيسه تتدفق، وأفكاره تنساب برقة ماء نبع رقراق، وبالرغم من أنه لم يرد إهانة الورقة البيضاء أبداً إلا أنه سوّدها. ينظر إلى الآفاق البعيدة، ويستدفئ بنور الشمس للحظات ويركب سيارته أخيراً باحثاً عن دفء آخر، وإلهام آخر، مكسراً ذلك الجليد الذي خيم عليه منذ أشهر.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:14 AM
(5)حذاء مستورد
صباح هذا اليوم هو نهاية الشهر الهجري، أي موعد نزول الراتب الذي يتوزع قبل أن يصل إلى الحلقوم، إنه كما يقولون في بعض البلاد كدهن القرود الذي يتبخر بسرعة. هو هكذا كل شهر أرقام على الورق، أرقام في الجيب بحيث ما إن نجري عمليات الزائد والناقص حتى تصبح المعادلة صفراً. وفيما كنت مهموماً تفحصت الجوال وإذ بي أمام رقم جديد رقم ليس في القائمة، فقلت لنفسي إما أن يكون أحد "الديانة" أو إن شاء الله شخص يحمل خبراً عن رزق جديد، والله أعلم. وفي الحالتين قررت الاتصال بالرقم، فإن كان أحد دائني طمأنته أنني لست بهارب، وإن كانت رزقة ولو صغيرة ف "يا هلا ومرحبا". ما إن ضغطت على زرّ الاتصال حتى سمعت صوتاً رخيماً لم أعهده من قبل: -مرحباً قلت. فردّت: -هلابك تساءلت من تكون ونبشت ذاكرتي بلا جدوى فقلت اسأل بصراحة: -ماذا تريدين وإذا بها تجيب وكأنها تعرفني "من زمن وازمان" كما يقول المغني -أين أنتم؟ قلت: -من نحن؟ فقالت: -أنت وأبو نوّاف حاولت أن أفهم ما تقول، حلبت ذاكرتي فلا تذكرتها ولا تذكرت أبا نوّاف، فقلت لنفسي لا بدّ أنها ترغب بشيء ما أو تذكرني من مكان ما فلأستدرجها بالكلمات علّي أفهم شيئاً. -أبو نوّافّ!؟ قلت بلهجة غير العارف وغير السائل، فقالت: -نعم.. أبو نوّاف.. ألا تذكر عندما تعرّفنا عليكما في أحد المجمعات وتحادثنا، فطلبنا منكما أن تشتريا لنا قطع قماش على أن نلتقي بكما ثانية. -نلتقي ثانية!! قلت بذات اللهجة المحيرة. فردّت -نعم وكانت معي صاحبتي، التي تصغرني سناً، فطلبت أن تتعرف على "أبي نوّاف" فتعرفت عليه واشترى لها حذاءاً مستورداً. -وماذا أيضاً؟ سألتها، فاستطردت -وذهبنا إلى المطعم لنكون على راحتنا وراحتكم، وطلبنا المشروبات وكشفنا عن وجوهنا وتبادلنا الأحاديث، ولو كان الوقت يتسع لأكثر من ذلك لأكثرنا. -آها.. تمتمت، فتابعت: -والآن نريد أن نخرج معكما في خلوة فقلت بسرعة كي لا يرتفع مستوى سوء التفاهم عن ما هو معقول وغير معقول: -عفواً هذا الجوّال استخرجته منذ بضعة أيام فحسب، ولم يكن لي من قبل. صمتت للحظات، خلت أنها ستغضب أو تغلق الخط بوجهي، لكنها أخيراً قالت: -وإن لك يكن ما دمت أنت الذي ستدفع.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:15 AM
(6)المشغل
كعادتها خرجت نوف من المنزل مع أخواتها وسرن نحو المشغل حيث كن يعملن. وكطبيعة العمل المقطوع.. والمتقطع، كان الراتب راتباً مقطوعاً ومتقطعاً أي راتب مناسبات. لم يكن هذا هو حلمها، فشأن جميع الصبايا كانت نوف ذات طموح يتعدّى العمل بمشغل مناسبات!! لكن ضغوطات ورغبات أخواتها جعلتها ترضخ لما ندعوه بالأمر الواقع، ومع الزمن انكسر منها ما ينكسر في مثل هذه الحالات، انكسرت الطموحات والأحلام، ثم ذبلت كل تلك الإشراقات التي تتعلّق بها ودونما أي اهتمام بها أو بمشاعرها من أحد توالت الأيام. بالرغم من مودتها لأختها الكبرى هيفاء، إلا أنها كانت أقرب ل "نايفة" الصغرى، وكانت أكثر التصاقاً بها واندماجاً معها ومع همومها ومشاكلها، وكانت نوف تبادلها الاهتمام بحيث يمكن تسميتها ب "توأم روحي" بحيث أنها اقتنت جوّالاً لم تعلم حتى أهلها به لكن "نايفة" فقط هي التي تعلم بذلك. كانت "نوف"تحب "فيصل" منذ أربع سنوات ومازالت تهيم به بالرغم من أنه لم يكن هناك نصيب، وفيما هي تصنع الشاي في المطبخ، هتف جوّالها بتلك النغمة المميزة لفيصل. فعلا الشحوب وجهها وتعثرت بالصينية والأكواب وحتى الإبريق وبدأت بلملمة كل تلك الفوضى. بدورها نايفة أحبت أن تعرف من وراء هذا الشرود لأختها التي تحبها فاسترقت النظر للجوال وكي تتأكد من الرقم حركته حركة طفيفة، فبالرغم من أن البنتين تسكنان غرفة واحدة لم يتحدّثا عن الأمر بصراحة ووضوح. لما عادت نوف من المطبخ شعرت أن هاتفها قد تحرّك فانتابها القلق وجثمت الحيرة على نفسها فسألت أختها لكن نايفة أجابت بالنفي، فحسب، وبدأت المخاوف تتجوّل في دهاليز عقلها منذ تلك اللحظة. سألت فيصلاً ولم تجد إجابة شافية، بل أخذ يقول أشياء لطيفة مطمئنة، ترى أيقول ذلك ليطمئنها فحسب بينما هو في الحقيقة يعرف أختها!؟ ترى هل تحدّث معها؟ أسئلة وأسئلة دون أية إجابة. أحياناً تشعر أن شكوكها لا محل لها من الصحة، وأحياناً تعود تلك الهواجس للتجول في المساحات المظلمة من شكوكها. أحياناً وعندما تتصاعد الشكوك تحسّ أن ما جرى أشد من الخيانة نفسها، فمن الطرف الآخر؟ أليست أختها وحبيبتها!؟ وفي أحايين كثيرة يمضي عقلها خطوات هنا وأخرى هناك والحيرة باقية أبداً، فيما تتساءل: ترى هل أنا مجنونة؟
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:15 AM
(7)في قريتنا
فـي قريتنا الصغيرة من ينظر إلى صديقة صديقه، يُبعد عن القرية لفترة من الزمن، وكالكثيرين مثلي من الشباب كنت أرى أن هذا الأمر ظلمٌ فادح، لكن هذه هي الأعراف التي تعلمتها أجيال عن أجيال، سواء كانت مجدية أو غير مجدية، وبالنسبة لي لم تكون هذه الأعراف من الأعراف الصائبة بالرغم من تقيدنا بها. لي صديق درب قلبه على أمر واحد وهو حبهن!! بحيث لم يعد قلبه يتوقف عند أي حد كان عنده منهنّ مثنى وثلاث ورباع ولكن لم يكون يشعر أبداً بالاكتفاء. حين عرفته لم يكون هذا الجانب قد تكشف منه، فقد فتنت بقناعه وبالطريقة التي زين نفسه بها عن نفسه!! بطبيعة الحال كنت أحدثه عن مغامراتي وعلى الطريقة النزارية دون أن أعلم أن ال "ران" يتراكم في قلبه. وكلما كنت أحدثه عن "تلك الفتاة" يزداد طمعه في ما ليس بيديه ولا بيدّي. كانت خيباته تتراكم جرّاء مغامراته الفاشلة فيما بدأت المسافة بيني وبينه تتجه نحو الصفر. لم أتوقع ـ أبداً ـ أننا سنصل إلى ذلك الطريق المسدود حيال أعرافنا البالية لنقف على الحافة، حافة الهاوية.. كنت أشمّ روائح رسائله "لها" وحيث لم تخدعني حواسي يوماً بهذا الشأن، كانت روائح هذه الرسائل تزداد أكثر فأكثر، ويوماً إثر يوم. كنت قاب قوسين أو أدنى لأحدثه عن ما أحس به، لكن لم يكن ليدي دليل ملموس. بعد أن انقطعت عن ذلك العالم ودون سابق إنذار، عرفت منها أنه أرسل لها رغبة منه برؤيتها وبخط يده. تذكرته وتذكرت أنه كان ينتقد التصرّفات التي تشبه هذه، لا بل وحتى التي أقل منها بكثير، وبمنتهى الصرامة!! أبلغتني بتفاصيل عنه، وكان هو يهاجم ما يماثلها عند غيره. لم أقحم نفسي في معرفة الكثير الكثير، لكن يا لنا من بارعين ونحن نلقي ليس النور فحسب بل الأضواء الكاشفة على عيوب الآخرين، ويا لنا من عميان أمام عيوبنا. في النهاية منذ ذلك الحين الذي عرفت به وجهاً آخر للصحبة والمسافة تزداد بيننا بسرعة الضوء، ومنذ ذلك الحين وأنا أميل للاعتقاد بأن تلك الأعراف التي ندعوها أعرافاً بالية، ليست بالية تماماً!!!
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:16 AM
(8)حدث في غرفة النوم
يـالـه من لقاء حارّ وأنا أحاول التركيز أكثر لاستيعاب ملامحها واستجلاء تفاصيلها في تلك اللحظة البديعة من لحظات الخلوة. أرتميت على سريري وبدأت أتفحّصها تفحصاً دقيقاً، جزءاً جزءاً، لم يكن حباً فحسب بل هوى وهياماً وشغفاً، أم لعله عشق أبدي. حتى وأنا في أحسن حالاتي معها، دقات قلبي تزداد، قلبي ذاته يرتعش في البرد، جسدي يرتعد كله، أرتجف من رأسي حتى أخمص قدمي، ومع كل ارتجافة أدرك أكثر أنني وقعت في قلبها مستسلماً طائعاً. بدأت أفقد شعوري وهي تتلبّسني!! انتزعت منها كل ما يحول بيني وبينها، حتى أشعر بحرارة جسدها، كي أكون أكثر إحساساً بها وإمحّاءً بتفاصيلها. كم هي مغرية، وكم أرغب أن أنفعل معها وبها، وتنفعل معي لدرجة التلاشي.. الذوبان، حتى تزيدني نشوة وتزداد فتنة. كم مرة تلذذت بذلك الألم وأنا أعيشها وأكتبها بجميع قوافيها وأوزانها.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:16 AM
(9)النافذة
يـالـه من أمر جميل ما يحدث لي هذا الصباح، بدأ كل شيء راكداً اعتيادياً مثل الأمس والذي سبقه، لكن فجأة تطلين من نافذتك، وإذا بالحب يطالعني يسرق عيناي بعدما سرق قلبي، وإذا بكل شيء يتغير الصباح يصبح أجمل الشوارع تبدو كما لو أنها تضحك للناس وتغازل أقدام المارة وحتى عجلات السيارات، وإذا بقلبي نفسه يصبح قلباً آخر، قلب عصفور يتطاير على الحيطان والسطوح، ثم يتقافز نحو الأشجار بعيداً هنا وهناك. كيف استطاعت أن تهبني كل هذه الرغبة بالحياة بعدما يئست منها؟ لا أعرف. كيف جعلت العالم يصبح أكثر سنى وإشراقاً؟ لا أعرف. كل ما أعرفه أنها سكنت الفؤاد الذي كان خاوياً على عروشه، اقتحمته هكذا بفوضويتها ووجها الطفولي لتهز أركاني، وتسيطر على ما تبقى مني ومن أحلامي البسيطة. هي أثارتني وأثارت في الركون إليها بعدما كنت أظن أنني لن أستسلم قط لذلك الركون، ولا أعرف من سيطر علي أكثر هي أم الشعر!!! عندما أكون معها يغمرني الفرح ويتقاذفني في كل أرجاء الدنيا، ولا تصبح المسافة بيننا سوى خطوة لنكون أكثر التصاقاً ببعضنا البعض. أستمتع وأنا أنظر إليها وهي تتكلّم بلهجتها الحجازية الأصلية وأشعر أنني ملكت الأرض!! أما هي فقد اعتادت على عبارات الحب التي تأتيها من المعجبين والمعجبات بما تكتبه من حروفها الأخاذة ليمتدّ عشقها إلى شاطئ الحب الآخر، فأحلم بها وأحلم وأحلم. أليس لي الحق في الحلم ككل الناس!!؟
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:17 AM
(10)ديـمـة
عندما استيقظت ديمة غسلت وجهها وبدأت بتسريح شعرها الأسود الغزير التمع ألم ما في رأسها كالبرق، صرّت على أسنانها وتحاملت على نفسها ومضت نحو الجامعة. على الطريق بدأ الصداع ثانية، لكنه لم يذهب هذه المرة بل استمرّ وهو يتصاعد بحيث لم يعد بوسعها تحمله، فاستأذنت وعادت إلى البيت وذلك الصداع يضغط ويضغط ويضغط. -آه يا أمي. صاحت، ولما سألتها أمها تلفظت بالكاد كلمات متقطعة: -صداع يكاد يفجر.. آه.. رأسي. ولما لم يكن يوجد أحد بالبيت منذ وفاة أبيها "مبروك" وزواج أخيها فيصل بعد وفاة الأب بعام ونصف العام، اتصلت الأم بولدها واتفقا على اللقاء في المشفى لإجراء الفحوصات اللازمة لديمة. في ردهة المشفى التقى الثلاثة، وبعد حديث قصير مع الأطباء، أجروا لها فحوصاً سريرية، وقرّر كبير الأطباء أنه ينبغي إدخالها إلى قسم أشعة الرنين المغناطيسي، وبعيد الصور مباشرة أخبرهم الممرض كي ينتظروا "ربع ساعة فقط" حتى يعرفوا النتائج. لم يعرف الممرض ـ وربما لأنه أعتاد ذلك ـ أن ربع ساعة من القلق تساوي دهراً. ديمة كانت ترتجف خوفاً، بينما كانت عينا أم ديمة تجوبان المكان وعليها تلك التعابير الخائفة المتوجسة وتلك الأسئلة التي لا توجد أجوبة لها، أما فيصل فقد خرج من غرفة رئيس الأطباء وبدا كما لو أنه كبر كثيراً في هذه الدقائق القليلة. أخذ الممرض الصور ومضى بها إلى غرفة رئيس الأطباء، وبعد مداولات لن يعرفها أحد أصبحت الربع ساعة نصف ساعة وموجات القلق تملأ ردهة الانتظار. أخيراً خرج الممرض وهمس لفيصل بضع كلمات، ولما سألته الأمر عما يقوله الممرض قال بسرعة: -لا يوجد شيء أمي. ومضى نحو غرفة رئيس القسم. بقلب الأم وحدسها عرفت أم فيصل أنه يخفي شيئاً فتمتمت بشكل تلقائي -ألله يهوّنها. في غرفة رئيس القسم تردد الطبيب للحظات قبل أن يقول أخيراً: -أختك مصابة يا فيصل.. لديها ورم في الرأس.. لكن اطمئن إنه ورم حميد.. لكن لا ينبغي إهماله.. لا توجد خطورة، لكن يجب إجراء عملية لها بأسرع وقت. -عملية ماذا؟ سرطان؟ -نعم.. لكنه ليس خبيثاً.. لا توجد أي خطورة. وبالرغم من محاولة الطبيب بعث الطمأنينة في نفس فيصل، ألا أنه خرج والدنيا كلّها تظلم في عينيه، وعندما وصل إلى الردهة وسألته الأم عن مرض ديمة، تمتم بضع كلمات غير مفهومة بما يعني أنه ينبغي الحديث في البيت ومضى الجميع نحو السيارة. على الطريق سألته الأم كما سألته ديمة عن الوضع فحاول أن يتباسط ويبدو طبيعياً وهو يقول: - لا شيء مهم.. في البيت سنتحدث.. لا توجد أية خطورة. كان واضحاً أنه يؤجل الأخبار السيئة. في البيت لم يجد بداً في نهاية الأمر من قول الحقيقة، ولما سمعت الأم الخبر وقعت من طولها، فيما بدت ديمة دائخة قبل أن تتماسك وتتهالك على الكرسي وقد انقطع اللون عن وجهها، وفيما شرع فيصل بإنعاش أمه، كانت ديمة تستسلم بإيمانها العميق لكل ما حدث لها اليوم، وتفكّر فيما يجب قوله لأحمد الذي ينتظر أخبارها بفارغ الصبر، وبالتالي ما الذي يمكن أن يفعلاه. مساء ذات اليوم فتحت هاتفها الخليوي الذي كان يرن ويرن طيلة الوقت بتلك النغمة الخاصة به فوصل صوته الملهوف: -منذ الصباح وأنا أتصل ولا تجيبين. ما الذي حدث؟ وبصوت مكدود ردّت: -متعبة يا أحمد متعبة -هل ما سمعته حقيقي؟ عندما سألها شعرت بأنه يعرف. -ما الذي سمعته؟ وممن؟ قالت متوجسة، فردّ: -أخبرتني سديم بكل شيء ولأنها كانت نائمة طيلة الوقت قدّرت أن صديقتها الوفية والتي لم يتح لها أن ترها في الجامعة قد سألت أمها فأخبرتها بكل شيء، وهذه أخبرته بدورها. فقالت أخيراً: -هكذا قال الأطباء. ورم ورم حميد -ورم يعني سرطان - نعم. -لكنه حميد كما فهمت -نعم -أعرف أشخاصاً أصيبوا به، فشفوا بعد عملية بسيطة.. لا تخافي أرجوك. قال لها. -فعلاً؟ سألته وبريق الأمل يملؤها، وبودها لو تصدق ما يقوله، لكن الخوف. الخوف الحقيقي يخلخل أفكارها كلها ويضعها في هوّة مظلمة عميقة من الشكوك، فيجيبها مطمئناً: -فعلاً.. جارنا "أبو فوّاز" عمل ذات العملية السنة الماضية وصحته الآن كصحة الحصان، لا بل كصحة الفيل لكثرة ما يأكل. وضحك الاثنان ضحكة قصيرة، لتردف بصوت واهن: -أنا متعبة أحمد.. أريد أنا أنام. -طيب.. نامي وارتاحي جيداً.. وغداً سأتصل بك. -مع السلامة -مع السلامة انطوت ديمة على نفسها في غرفتها، فيما بدت أحلامها المعلقة بأركان الغرفة وكأنها تصدر أصواتاً خافتةً تشبه الموسيقى، وبالرغم من تعبها الشديد لم تستطع النوم، القلق ينهشها والمخاوف لا تني تطلّ برأسها مبددة صور الأحلام التي طالما تراقصت في تلك الغرفة. ولأول مرة تشعر بالرغبة العارمة لكتابة مذكراتها، ووضع تفاصيل حياتها على دفترها الخاص، كتبت أشياء ما عن طفولتها عن رعايتها لأخوتها وأخواتها باعتبارها الكبرى بين البنات، ثم سرعان ما وجدت نفسها تكتب الشعر، أو على الأقل هكذا خيل لها، أنه شعراً يدمي القلب. في الأيام التالية حدد المشفى الإجراءات التي ينبغي اتخاذها قبل العملية، كما حدد توقيت العملية، والإجراءات اللازمة بعد العملية، وطيلة هذه الفترة كانت تتحاشى الرد على أحمد كي لا ينهمك معها كليةً في مخاوفها، وكان المطلوب من رفيقتها سديم قريبة أحمد أن تخبره أنها متعبة فحسب. قبل مرضها كانت ديمة قد اقترحت مسابقة أدبية في المعهد الثقافي وكان أحمد قد اشترك بتلك المسابقة إرضاء لها واستجابة منه لما تحبه، وكانت هي المسؤولة عن تلك الجائزة، وإبان مرضها أصدرت اللجنة النتائج ووزعت الجوائز ولم يكن لأحمد نصيب بها، وبطبيعة الحال فقد شعر بأن اللجنة لم تنصفه، وربما انتابته الشكوك بهذا الأمر، لم يكن يدري أن ديمة تجري العملية في ذات الوقت الذي كانت اللجنة تتشاور به عن الجوائز، وقررّ الغياب عن المعهد ظناً منه أن ديمة تعرف كل شيء عن تلك الجوائز وأنها لم تقدّر ما قدمه لذلك الصرح الثقافي. فانقطعت حتى مكالماته لها، وقدّرت أنه لم يعد يريد صداقتها، ولكي تقطع الشك باليقين سألت أول ما سألت رفيقتها: -سديم ما به أحمد؟ عسى ما شرّ؟ فردّت سديم ببساطتها المعهودة: -لا أعرف عنه شيئاً. فهو كقمر شباط في السنة الكبيسة!! ومرت الأيام بطيئة وذبلت التساؤلات، لكن في أحد المساءات الربيعية رن الخليوي بتلك النغمة، وبالرغم من أنها قررت ألا تجيبه أبداً، إلا أن مشاعرها خانتها وجعلتها تستقبل صوته بلهفة، فأخبرها عما تعرفه أصلاً وعن الظلم الذي تعرّض له، لكن لما عرف أنها كانت تجري العملية في ذلك الوقت بالذت كاد أن يغمى عليه وبدأ صوته يرتعش، ثم أخذ يلوم نفسه لأنه ابتعد عنها في نفس الوقت التي هي بأمسّ الحاجة له، وأخيراً قرر العودة إلى المعهد الثقافي مردداً عبارته التي لطالما أحبتها: -من أجل عين تكرم مدينة. وبدأ يكتب عنها ولها، كان يعرف مثلما تعرف أن الغيرة قاتلة عادت الاتصالات أكثر وأجمل من ذي قبل، وسديم توصل لكل منهما أخبار الآخر. وسديم التي لا تقارن محبتها لأحد بمحبتها لديمة، أصبحت ودودة تجاه أحمد لأجل ديمة فحسب رغم صلة القرابة. ذات يوم ولسبب لا تعرفه ديمة وجدت نفسها تقول لرفيقتها: -سديم لا تكلمي أحمد -لماذا؟ -لا تكلميه فحسب حسناً، إنها الغيرة. فكرت سديم، وأخبرت أحمد بذلك الأمر كي لا تتشوّش الأمور أكثر، فقرّر أحمد أيضاً أنها الغيرة فحسب ولا شيء آخر، فحاول تهدئة نيرانها في إحدى مكالماته: -ديمة لو أنك ما أحببتني ما أحبتني سديم أصلاً، وعندما أحادثها فكل ما يدور بيننا هو ديمة فحسب، وسديم تحبك يا ديمة كأخت وربما أكثر. -أعرف.. لكن سكّر على الموضوع قالت ديمة بحدة ووجد نفسه يقول كي يرضيها: -لكِ ما تريدين ديمة بعد عدة أيام اتصل بها فلم ترد، كرر اتصاله أكثر من مرة دون جدوى، ولما تناهشته الشكوك وخشي أن يصيب مكروه ما حبيبته، فكر بالاتصال بسديم وسؤالها لكن وخشية أن يجرح مشاعرها ألغى قراره. طال انتظاره وهو يتصل وديمة لا ترد، لكن في ساعة متأخرة من الليل رن هاتفه وكان رقمها: -هلا أحمد -هلا ديمة. ما بك؟ -عاد الصداع ثانية يا أحمد، فأخذت حبوباً منوّمة. هذا كل ما في الأمر. -عليك أن تراجعي المشفى ثانية ديمة وتخبريهم بما آلت إليه حالتك الصحية -حسناً أحمد ردّت عليه وهي خائفة وغير مقتنعة وفي اليوم التالي كرر المحاولة مصرّاً هذه المرة -ديمة بالله عليك راجعي الطبيب -طيب.. طيب أحمد غيّر الموضوع. كان قد مضى على العملية ما يقارب السنة، ولما شرحت للطبيب المختصّ وضعها وحدثته عن معاودة الصداع لها، عادت قصة الفحوصات مرة ثانية وذلك القلق وتلك المخاوف وكان قرار الطبيب الصعب هذه المرة: -لا بد من إجراء العملية ثانية، لكن الإمكانيات عندنا قليلة، لذلك لا بد من الذهاب إلى ألمانيا، فهم متقدمون علينا في شتى المجالات عموماً وفي هذا المجال بشكل خاص. وبإيمانها العميق إياه تمتمت ديمة -لا حول ولا قوّة إلا بالله. لما أبلغت ديمة أخواتها، هرعوا جميعاً للمساعدة، وأرسلوا إلى ألمانيا الملف الطبي لأختهم مفصلاً، وبدأت الإجراءات تأخذ طريقها للذهاب إلى ألمانيا. دنت لحظة السفر، ولسبب لا تعرفه قررت السفر دون إعلام أحمد. وفي الطائرة شعرت ببعض التردد لاتخاذها ذلك القرار، لكن لم تصل إلى القناعة بالعودة عنه. اتصل أحمد مراراً وتكراراً دونما جدوى، انتظر ثم اتصل ثانية ولا فائدة، وفي النهاية عندما لم يعد بوسعه عمل شيء آخر اتصل بسديم ليسألها وبإيجاز أخبرته سديم أن ديمةاً سافرت للخارج من أجل العلاج، ودون شرح أي تفاصيل، هذه المرة كاد القلق يودي به، لم يعد يستطيع الأكل والنوم والشرب كالآخرين، لم يعد يعمل كالآخرين، لم يعد يخرج ويمزح ويتسلّى كالآخرين، هزل جسده، وبدأ هلالان قاتمان يرتسمان تحت عينيه نتيجة القلق، وبالرغم من تخوفات وتساؤلات الأهل والأصحاب، إلا أنه لم يكن يحر جواباً، إذ لا جواب لديه أصلاً. كيف؟ لماذا سافرت دون إخباره؟ ما الذي حصل لها؟ لا إجابات البتة. بدا كل شيء له كابياً ولا لون له ولا طعم ولا رائحة، وبدا كما لو أن الوقت عجلة ضخمة تسحل نفسه وروحه، وبعد أربعة شهور رن الخليوي وكان الرقم غريباً، لم يشأ الرد على أحد، وفي الصباح الباكر تكرر الرنين وذات الرقم، وهذه المرة شعر بشيء خاص فردّ، وإذا بصوتها يأتي من الطرف الآخر: -أحمد اطمئن أنا بخير وانفجر الاثنان بالبكاء للحظات ليست قصيرة وليست طويلة، لحظات كأنها العمر كله وكأنها مجرّد لحظة عابرة، ومن الطرف الآخر أردفت أخيراً بصوت مبحوح: -لا أستطيع الاتصال بك فالجوّال يؤثر علي كثيراً، لكني سأجد الطريقة وأكلمك لاحقاً. -أنا بانتظارك قال لها. وطال انتظاره هذه المرة أكثر من أية مرة أخرى، كان يحبها مثلما كانت تحبه ذلك الحب العذري، وكان يريد أن يطلبها، إلا أنها لم ترد ذلك لأنها تخشى أن تموت وتؤلمه مرة أخرى مع أن الأعمار بيد الخالق. كانت تخشى أنها ستورطه معها بمرضها. أما هو فكان يتصل ويتصل ويتصل.. لكن.. لما اتصل أخيراً بسديم لم يكن سوى الحوار التالي: -قوّه سديم -هلا أحمد -ما بها ديمة؟ اتصل كل الوقت والخط مغلق وطال الصمت بعد هذه العبارة، فأصر -ما بها ديمة؟ -بكره زواجها تسارعت دقات قلبه فوجد نفسه يتلجلج بكلمة واحدة: -كيف؟ -اتركها وشأنها رجاء.. إللي فيها يكفيها -لكن أنا.. أنا.. ماذا أفعل؟.. أحبها يا سديم.. أحبها.. -ستعرف أنها لم ترخصك يوماً ومنذ ذلك الوقت وهو يعيش على أطلال الذكريات وديمة.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:17 AM
(11)رهافة الأنثى
خـيّل له أنها لم تكن قصيدة عادية، تلك التي يرغب بكتاباتها والتي بدأت عباراتها وصورتها تتدافع في ذهنه. ما كان يشعر أن قلمه وسليقته الشعرية يخذلانه إلا حينما يحاول الكتابة لها أو عنها أو عما تحبه. بدايةً وظناً منه أن تعلّقها الشديد بها سيؤذيها، حاول أن يخفي اهتمامه بها، لكنه في قرارته كان أكثر تمسكاً بها من أي شيء آخر في العالم وسط تلك الغربة التي تكتنف كل عالمه. لكنه دفع شعوره بتلك النداءات المبهمة والتي لا يمكن تفسيرها ما بين رجل وامرأة، تاه في فسحات من السعادة أشبه بالطيران الطليق الحرّ في سماءات ملوّنة. آنذاك شعر أن جاذبية نيوتن بتفاحته تلك صغيرة جداً أمام جاذبيتها، فبعيني الشاعر كان يرى أن النجوم تتساقط على الأرض بجاذبيتها وليست تفاحة نيوتن. كانت تعشق الآفاق الفسيحة، وكانت طموحاتها تتجاوز الحسوسات، فيما كانت غيرتها أكبر من غيرة زوجة في سن اليأس، وما كان يشدّه إليها أكثر من أي شيء آخر هو تلك الرهافة في المشاعر والتي كثيراً ما شبهها برهافة ورقة ورد أو سيف يماني صقيل، وذلك الكبرياء الانثوي العارم، عندما تحاول إخفاء مشاعرها الجياشة خلف عينيها الخضراوين حينما يختلط التماع الصفاء بنقاء الدمع، آنذاك كانت أفراحها تتسابق مع دموعها فلا يدري أيهما أشد مضاء في عينيها البريئتين. ومع بكاءاتها المتكررة لم يعد يشعر بأن الأرض ممكن أن تتسع له ولدموعها، فأخذ يبتعد عنها كي لا ترى ضعفه، ألسنا جميع الرجال كذلك!!؟ ألا نتظاهر بأننا أقوياء بل قساة أحياناً أمام تلك الرهافة الغريبة، رهافة الأنثى، ألا نتظاهر أننا عكس ما نحن عليه دائماً أمام الأمواج العاتية للعشق. بعدما كتب شطراً آخر، ومزق أوراقاً أخرى، أدرك أن كل الكلمات التي كتبها أقل بكثير من لحظة واحدة غاربة في مشاعر الحب.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:18 AM
(12)القشة
لـم تكن تلك الصبية هي القشة التي قصمت ظهره كما تقصم القشة الزائدة ظهر البعير، فقد قصمت ظهره قشّاش كثيرة قبلها. لا بل أحمال من القش، فما الذي سيضرّ ظهره المقصوم أصلاً. هكذا فكرّ وهو يسير مستعرضاَ الوجوه النسائية، أو التماعات الأعين الساحرة خلف النقاب، ويستعرض بذات الوقت احتقاره لهن، وهو يرى أن النيران لا تبدأ إلا منهن حتى منذ تلك اللحظة البعيدة التي صار التفاح بها ألذ من أي شيء آخر في العالم. وعندما رأي ذلك الطائر يركن إلى عشه مستدفئاً بأنثاه، تعجب من ثقة الطائر بهن بحيث جعلهن بيته دون أن يدرك تماماً أنها أسرار الحياة
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:18 AM
(13)قلب أعمى
إثــر خلاف بدأ بسيطاً تزايدت الهواجس والشكوك بينهما فرحل صاحبه تاركاً له صور الأيام الطيبة والذكريات الحلوة والمرّة تنهش ما تبقى من ذاكرته. بشكل من الأشكال يحسّ أن صديقه الذي رحل كان يغني على أشلائه المبعثرة، وأن تلك الأشلاء بالرغم من كل شيء تتراقص في نفسه التي بدأ خواؤها يتّسع ويتّسع ليصبح كتلك الصحراء الشاسعة التي أصبحت بينهما، فيما لكن يكن يفصلهما شيء، ولا أي شيء. اعتزل الناس يوماً ثم يومين ثم أياماً فشهراً فآخر مقرراً أنه لن يعاود الكرة، ولن يترك لتلك التجربة ومثيلاتها أن تؤلمه هكذا، وتساءل فيما إذا كان ما يشعر به هو الندم ليصل إلى نتيجة واحد: لا. إنه الألم. الألم وليس الندم لأنه كان قد اعتاد الهجرانات المتتابعة وطعنات الأقربين. لكنه مع الوقت سئم تلك العزلة وباتت نفسه تواقةً للصحبة حتى وإن كانت نتيجتها الألم مرة أخرى، ومع ضجره المتصاعد وصل إلى قرارٍ فاجأه ذات نفسه وهو: أن تجرب وتتألم خيراً من أن تتألم دون أن تجرّب، فكسر عزلته وخرج تماماً كما لو أنه تاق للألم وبدأ يبحث عنه بعد أن افتقده. تساءل إن كانت خياراته عمياء، وتذكر أنه لطالما ردد بأن الأعمى هو أعمى القلب لا البصيرة، فماذا إن كانت بصيرته ذاتها عمياء. وبالرغم من تخوفاته وتذكره لآلام الفقدانات الكثيرة التي صاحبت حياته، بالرغم من شعوره بنفسه الممزقة والممنوعة من الصدقات. كل الصدقات، إلا أنه خرج ثانية وهو يرى الشوارع بعين أخرى، المحلات، الأشخاص، الأصوات تبدو مختلفة، ونفسه ذاتها اختلفت عما كانت عليه أمس فها هي تطلب الصحبة والبوح بالآمال والآلام مهما ترتب على هذه الصحبة من ألم.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:19 AM
(14)النصف الآخر
جاء مزبداً مرعداً وصاح: -لن أستجديها بعد اليوم قلت: -ما تقول؟ فتابع كما أنه لم يسمعني -سأحتفظ ببقايا نصفي الآخر لنصفي الآخر -لم أفهم قلت فتابع كالسابق: -سأبحث عن غيرها.. ثم قال أشياء كثيرة دونما صوت مع أنه يحسن الكلام في كل أمر إلا في هذا. تدفقت أفكاره وعباراته الصامتة، ثم أخيراً أمسك قبل أن يتبيّن له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ففكرت أنه ربما سيكتشف أنه أخطأ في الإمساك. بعد سماع النداء الأخير "الصلاة خير من النوم" قالت عيناه أشياء، وأدركت أنه أخطأ في إمساكه، ولما باحت عيناه بذلك الألم قلت: - ربما.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:19 AM
(15)الغاوية
كنت بالفعل قادراً على احتواء الموقف لصالحي بغية إغوائها فحدّثت نفسي بصوت مسموع عنها ذات شعر. ولم تكن ممن يرضون غرور شعري، لكني أردت أن أجد بها سبباً للكتابة ليس إلا، أردت أن تمنحني الدافع والإلهام، فهي في النهاية لم تكن شاعرة بل غاوية أتت لتثير الشعر ذات عمر، ولم يكن في العمر متسع لأعيشها. أتت كغيمة صيف ثم انقشعت وعدتُ وأنا أحمل ذنبي كقصيدة.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:20 AM
(16)الأثم
يحاول البوح بما في نفسه لأي كان، لمعرفة أو تصديق أو حتى لعابر سبيل، لكن الخشية تعبيء قلبه، تماماً كما رغبته بالبوح فيما يعتمل بنفسه. يزرع الشوارع راغباً بإيجاد الفرصة ـ أية فرصة ـ ليصيح بأعلى صوته بما يعتمل فيه، لكن خشيته من أن يقال عنه ـ على الأقل ـ مجنون تشرئب بأذنيها كوحش لا؛ ليس وحشاً؛ بل كفأر يقرض آخر الحبال التي تصله بالعالم. تعرف كيف تقود الحروف بسلالة كما يفعل هو في لحظات التجلّي، لكنها زيادة عن هذا تعرف تستخرجه من خبيئته لتسكنه تارةً، وترحل تارات. هي ماهرة بحيث تبسط سطوتها على كل الحروف، لكن ما يبعث الطمأنينة في نفسه شعوره بأنها لا تستطيع العيش دونه تماماً كما لو أنه لا يوجد رجال ـ بالنسبة لها ـ في العالم كله، تمثله لها يشعره هو أيضاً أنه لا يوجد رجال في العالم سواه بالنسبة لها، يشعر وهو يتملّى تفاصيلها وألوانها والروائح التي ستفوح من تلابيبها أنها تتغلغل في كل تفاصيل حياته، حتى تلك الأكثر حميمية، ومنذ تلك اللحظة التي عرفها رفرفت روحه وهو يقدّر ذكائها، ويؤمن أكثر فأكثر بأنها الأكثر نباهة من كل اللواتي أنجبتهن حوّاء. يجوب الشوارع ثانية وروحه تنداح بين الأزقة، ثم ترتدّ إليه بديمةها هي، وهي وحدها، إذ ذاك يخشى أن يطلع الناس على ما يقع بنفسه منها حتى لو لم يكن آثماً.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:20 AM
(17)المغامر
بـكل بياض العالم يخوض غمار مغامراته العاطفية، إلا أنه غالباً ما يشعر بأنه سيعلق فيسرع بالهرب من كل شيء من مغامراته القديمة ومن هذه التي تطلّ من الأبواب وحتى من نفسه، فيغلق حتى أبوابه ونوافذه عن الهوى، ثم يكتم أنفاسه الداخلة والخارجة.. وسرعان ما يملّ فيخرج ليحيا من جديد، وهكذا حتى يجد نفسه هرماً على الحب والحياة مرة أخرى.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:21 AM
(18)احبكـ
مجرّد حروف بسيطة لا معنى لها إن لم تقع به، لكن حين تشعر بهذه الكلمة فسرعان ما تعمل عمل السحر، وذات مساء رهيف وجدتني أقولها أمام عينين ساحرتين. كان مساءاً بارداً، وبدلاً من أن أبحث عن حطب لتدفئة أعضائي، وجدتها ناراً تتأجج، كلما اقتربت منها احترقت بها.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:21 AM
(19)الخيبة
سـار وهو يشعر بخيبة أخرى ربما كسابقاتها، لم ينشروا قصّته بالرغم من أنهم نشروا ما هو أردأ منها تلقفته الشوارع شارعاً شارعاً، وسئمت منه الأمكنة مكاناً مكاناً وهو يمضغ خيبته تلك ويقلّبها على كل وجوهها ولما رأى عصفوراً يتناول قشة ويطير بها إلى مكان قصي، تفكر في الأمر وهو يبتسم، وفيما هو شارد بأفكاره، عاد العصفور مرة أخرى ليحمل قشة ثانية ويطير بها في الفضاء الشاسع، آنذاك قررّ أن يكتب قصته التالية مدركاً أنه ليس من العار أن نشعر بالخيبة تثقلنا لكن العار هو تُثقل الخيبة بنا.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:22 AM
(20)الغشاوة
غشاوة سوداء خيمت ثم غطت على كل تفكيري، ومهما فعلت سواء غيّرت الأمكنة أو تجوّلت بغير هدى أو فركت عيني فلن أستطع أن أزيح تلك الغشاوة، أعرف أنني لن أستطيع لا الآن ولا بعد حين حتى لو حاولت أن أنزع من عيني تلك الالتماعة التي يعكسها الضوء في بؤرتيهما لو استخدمت أظافري نفسها. وحتى لو علمت أن تلك الغشاوة ليست حقيقية فلن أستطع إزاحتها.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:22 AM
(21)مهب الريح
عندما كان يسمع عبارة "في مهب الريح" لم يكن يفهمها فكل ما رآه مما يتعلّق بهذه العبارة، هو ريح تحمل الغبار أو الأشياء الخفيفة، أو الريح قبل الشتاء. ما الذي يمكن أن تعنيه عبارة كهذه؟ ريح وغبار فحسب أو ريح ومطر فحسب. بعدما عجمته السنون وفيما كان في غفلة عن فسحات المشاعر التي تكتظ بها الحياة رآها فاضطرب وانخلع قلبه وشعر بحبات العرق الصغيرة تنساب على عنقه. ظن أنها ليست سوى مشاعر مختلطة مشوشة لكن هذه المشاعر نمت وترعرعت وكبرت مع الوقت بحيث صارت تهيمن على صباحاته ومساءاته وأحياناً تتغلغل إلى أحلام ليله فتقض مضجعه. وكلما تذكرها وتذكر تلك اللحظة التي انخلع قلبه بها لما رآها، شعر بأن عاصفة هوجاء تتقاذفه، آنذاك أدرك أنه ومنذ تلك اللحظة وهو في مهب الريح.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:22 AM
(22)الخـلـوة
تنهّدت وهي تضع رأسها على صدره، شعرت بذلك الحنان الذي لم تجده في أي مكان آخر في هذا العالم الفسيح الأرجاء. تعرف أنه ليس له الحق في هذا، ولكن ما تفعل إن لم يكن لديها أي خيار يسمح به عالمها، فهو الشخص الوحيد الأكثر خلوة بها، وكانت تعرف ما يريد. أعطته بعضاً مما لديها، ومع الوقت لم تبخل بالباقي، لكن ذلك القلق الغريب، تلك الكراهية لنفسها أحياناً وللعالم أحياناً وللحياة ذاتها أحياناً تتقاذفها في كل سماوات الدنيا أو على الأقل هكذا يخيل لها. عندما ضاق بها الكيل قرّرت أن تمتنع أن تجتث كيانها حتى إن لزم الأمر حتى تفلت من حاجتها لحنانه ورغبتها به، ومن قبضته هو في نهاية الأمر. ومنذ تلك اللحظة التي نفذت قرارها وهي تتلفت حولها لترى من تستطيع أن تضع رأسها على صدره لتشعر بذلك الحنان.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:23 AM
(23)رحـيـل
لـم تعتد مغادرة البيت أبداً، والآن ها هو البيت خال فارغ إلا من الصمت. يقوم يرتب الأشياء بالطريقة التي ترتبها هي بها، كل شيء في البيت تماماً كما تريده بالضبط، لكنها ليست هنا لتشعّ بإطلالتها وتزين هذا الصمت بضجيجها وعباراتها وأحياناً بغنائها وهي تقلّد الصوت الفيروزي الساحر. يخيل له أن الأشياء والأمكنة التي اعتادها تكتظ حتى بالوحدة والفراغ لفقدانها، كما لو أن كل شيء دون معنى. ينظر من النافذة فيرى البيوت والأبنية تماماً بذات الحركة اليومية، وذات الصخب والحياة، فيكره الأمكنة والأبنية والعمارات لأنها ليست حزينة مثله. وعندما تنساب أشعة الشمس على وجهه عبر النافذة يتذكرها واقفة إلى جانبه وهي تسلم وجهها للشمس مثله وتهتف: -يا ألله ما أجمل الحياة فيردد وراءها: -نعم. ما أجمل الحياة أما الآن فها هو هنا وحيد، لأن ملاك الموت أبى إلا أن يأخذها تاركاً إياه لحزنه ووحدته. يتذكر معاناتهما لما مرضت، وعندما يشعر بالغضب يغزوه حتى مخ العظم من الحياة والعالم وكل شيء، يسمع صوت الصغير عائداً من المدرسة وهو يصيح كعادته: - بابا أخذت عشرة على عشرة فيعتمر قلبه ثانية بالرغبة بالحياة لأن ملامحها ورائحتها وحتى طريقة ضحكها ستشع ثانية على وجه ولده سعد.
حمود الصهيبي
29-03-2010, 06:23 AM
(24)الموت ذات حلم
أفـاقـت على صوت آلة الحلاقة، فانتابتها ذات مشاعر الشوق التي ملأتها أمس وهي تغفو على صدره. قامت نحو المغسلة لتقف خلفه وترى وجهه بالمرآة تماماً كما توقعته: طفلياً حنوناً وآسراً بآن واحد. -قوّه خالد -يسعد صباحِك ردّ عليها بتلك العبارة التي تحبها والتي حفظها من السوريين أو اللبنانيين أو المصريين أو المغاربة، والتي يستمتع بقولها لها كل صباح، ودون أن يترك الحلاقة، مرر نظراته نحو بطنها في المرآة سائلاً: -كيف الصغير؟ -إنه يعذبني قليلاً -يسلم لي أم الصغير ضحكت. فتابع: إن العيون التي في طرفها حورٌ قتلننا ثم لم يحيين قتلانا تعرف أنه يقول هذا البيت لجرير كلّما يشعر بالافتتان وهو يحدّق بعينيها ولسبب لا تعرفه ضحكت مرةً ثانية، فبدأ يشرح لها أشياء عن جرير والفرزدق والأخطل والعصر العباسي وأبي نوّاس، ولم تكن تسمع كل ما يقوله بدقة، ولم يكن شعراء العصر العباسي يهمّونها تلك اللحظة، بل كانت تحلّق حالمة بعينيه القاتمتين وهو يتحدّث كطفل كبير. مرّ الوقت سريعاً وهو يتناول إفطاره ويجهز نفسه للخروج، وكالحلم وجدت نفسها تودعه على الباب. -ستتأخر اليوم؟ سألته فابتسم تلك الابتسامة الآسرة وقال بوجهه الطفلي: -لا. سأمرّ على أخيك "حمد"، ثم سأمضي لأتابع أوراق تعنيني في الجامعة. مع السلامة حبيبتي. -مع السلامة. ومضى، ثم ابتعدت سيارته لتغيب بين سيارات الشارع، تاركاً لها وقت الانتظار والاستغراق في الذكريات القريبة والبعيدة. كانت قد أحبته منذ سنين الدراسة الثانوية، عندما كان يأتي مع أخيها حمد ويتبادلان الأحاديث عن الشعر والشعراء وأدباء العصور المختلفة: الجاهلي والأموي والعباسي وهي تسمع ما يلقيان من أشعار من غرفتها وتحلم، ولما ذهب للدراسة في القاهرة شعرت أنها ستفقده نهائياً، لكن ما إن عاد حتى حصل على رقم هاتفها الخليوي وحدّثها صراحة عن حبه لها. لم تعرف ـ إلا فيما بعد ـ أنه راقب خروجها للمدرسة وأنه تحدّث بالأمر صراحة مع أخيها حمد، فقدرت أن صداقته ومحبته لأخيها دفعتاه لحبّها، لكن مع الوقت ومع الأحاديث الطويلة عرفت أنه يحبها لشخصها هي. لما ذهب إلى إنكلترا لإتمام دراسته في لندن، خافت ثانية لكن بعد عودته في الصيف أدركت أنه سيكون رجلها هي. ورجلها وحدها. بعد استكمال دراسته مباشرة عاد ليخطبها رسمياً ولتدرك أن أخاها حمد بالذات كان يعرف علاقتهما ولا يتحرّج أبداً، فقد كان يعرف صاحبه جيداً. وبعيد الزفاف أمضيا شهر عسل ما بين باريس وروما ومدريد، وبعد عودتها بأيام ظهرت عليها عوارض الحمل، ولما عرف بذلك ضحك ملأ فمه وسألها: -ما رأيك أيكون صبياً أم بنتاً؟ -لتكن إرادة الله عزوجل قالت. فتابع مازحاً: -أتمنى أن يكون الحمل ببنت، وأتمنى أن تشبهك في كل شيء، أتمنى أن تكون لها عيناك ووجهك وشعرك الأسود هذا، وضحكتك وكل شيء. ضحكت آنذاك ملياً ثم وجدت نفسها ترد: -لا.. أتمنى أن يكون طفلاً وأن يشبهك أنت في كل شيء!! ***** بعد صور الإيكو(أشعة السونار). ظهر أنها حامل بطفل ذكر، ومازحها قائلاً: -مازلت أريد منك ابنة تشبهك، وبما أنك خذلتني هذا الحمل فأنا أطالبك بحمل آخر أنثوي. تستطرد في ذكرياتها شاكرة حظها الذي قابلها بمحبّ صادقٍ مثله، متذكرة قصص صديقاتها عن الخيبات برجال وعدوهن الكثير من الوعود التي تحطمت وذهبت أدراج الرياح، وتشعر باشتياق كبير له يشبه شوقها له صباح هذا اليوم، وليل الأمس وما قبلهما الكثير. تذكرت أنه طالبها بالقراءة وبإتمام دراستها إن كانت ترغب بذلك، فقامت نحو المكتبة، بذات الوقت الذي تناهى إلى سمعها صوت ضاجٍّ عالٍ يشبه أصوات الانفجارات في الأفلام الأجنبية التي تعرضها الفضائيات. تتناول كتاباً عن الأدب الجاهلي وتشرع بقراءته، وتستغرق ربما لساعة أو حتى أكثر في أشعار زهير ولبيد وامرؤ القيس وطرفة بن العبد، فتسأم أخيراً وتجتاحها موجة شوق عارمة له فتتناول الخليوي وتهاتفه لكنه لا يرد، تعيد مهاتفته مرة أخرى وثالثة فلا يردّ، ويبدأ القلق بالزحف إلى نفسها. تنتظر بضع دقائق وتتصل مرة أخرى، وهذه المرة يغلق الخط دون أي تحفظ، فتغضب للحظة، لكنها ترتاح لأنه ردّ عليها ولو بإقفال الخط، وتبحث له عن عذر ما، فربما كان مشغولاً أو مجتمعاً مع إدارة الجامعة. يمرّ الوقت بطيئاً بطيئاً، فتتصل وما زال الهاتف مغلقاً، تتصل مرة أخرى، ثم مراتٍ متتابعة دون رد، فتتساءل: -أي اجتماع هذا الذي يمكن أن يستغرق كل هذا الوقت!؟ ويعود القلق ليزحف كالأفعى. ***** في ساحة الدائرة، ينظر "أبو سعيد" إلى الأجساد المسجّاة أمامه، والتي غطيت وجوهها وصنفت تباعاً، فيما ترتبت مقتنيات أصحابها على طاولته ودوّنت أسماؤهم وأرقامهم وأسماء أقاربهم إلى جانبها. وشاعراً بالأسى يستعرض كل ذلك مقدراً أن القسوة التي تفرضها عليه مهامه لا يمكن لأحد أن يقدّر وطأتها سوى رب العالمين جل جلاله. ومهموماً يشرع بالاتصالات وإخبار الناس بما لا بد من إخبارهم به، أي بمصائبهم وفقداناتهم، وما سيترتب على ذلك من أسى محزن، وصرخات وإغماءات أيضاً. ***** بعدما أوشك القلق أن يأتي على حنان، حاولت الاتصال بأخيها حمد لكن هاتفه مقفلٌ أيضاً تتصل مرة ثانية وثالثة والهاتف مقفل فتتساءل: ما قصة الهواتف المغلقة هذه الأيام!؟ أخيراً تقرر الاتصال بأخيها الصغير أحمد لكن هاتفه هو الآخر كان مشغولاً، تعيد الاتصال مرة ثم مرتين، وبعد اتصالها العاشر ـ ربما ـ صار خطه مغلقاً، وتساءلت مرعوبة: -ما الذي يحدث!؟ اتصلت ببيتها، وبزوجة أخيها، ولا أحد يجيب، وبعد نصف ساعة مرت كما لو أنها دهراً وصل أخوها الفتيّ أحمد وأمها ليقولا لها كي تجهز نفسها فثمة خطب ما، ودون أن تعرف كيف صارت في السيارة التي أخذت تنهب الشوارع بسرعة. ***** عندما وصل الجميع إلى الدائرة، سألوا عن "أبي سعيد" وسرعان ما دلّهم الحاجب على مكتبه، ولما طرق أحمد على بابه، استقبلهم رجل كهل سمح الوجه والملامح وأجلسهم وهو يبحث عن الكلمات الملائمة، فيما اتخذ الثلاثة مجالسهم على الكراسي قبالته. من جهته أبو سعيد نظر إلى الصبية أمامه وشعر أنها تشبه ابنته "عالية" وأحس بالهمّ يجثم على قلبه كوحش كاسر، وأخيراً اضطر للسؤال: -هل أنت أم "حمد"؟ -نعم. قالت الأم بلهفة، وتابع أحمد بذات اللهفة: -وأنا أخوه ما الذي حدث؟ شعر "أبو سعيد" أنه سيتمزق هذه المرة، لكنه تجلّد وسأل: -وخالد صاحبه ماذا يكون بالنسبة له، لم أستطع إيجاد أقاربه وهنا شهقت حنان والتمعت دموعها حتى من خلال النقاب -إنه زوجي هتفت وهي تشهق بما يشبه النحيب. تذكر جسدي الشابين الذين غطاهما بيديه، وقد مزقتهما الطلقات وهما يعبران الشارع صدفة، فخانته عيناه رغم كل قدرته على الصبر والاحتمال تاركتين الدموع تفر خارجاً، وحاول جاهداً أن يلفظ عبارة "رحمهما الله" لكنها توقفت في حلقه رغماً عنه، وقبل أن يلفظها خرت العجوز مغشياً عليها ثم سقطت الصبية من طولها على الأرض.
Powered by vBulletin Version 3.6.7
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd