حمود الصهيبي
15-12-2011, 09:37 AM
قـطعت تذكرة سفر مفتوحة من مكتب الحجز، ومنها ذهبت إلى مكتب صعود الطائرة لأبرز بطاقتي الرسمية والتي استغلها في مثل هذه المواقف في العادة، أرى أي الموظفين أكثر رحابة وأتوجه إليه وغالباً ما أكون موفقاً في هذه الجزئية. وجدت من الموظف القبول وقال لي انتظرني لحظات وأخذ مني تذكرة السفر. وكنت أتلهّى بملاحظة الوجوه وأتأملها تارةً وأسرح عنها تارات، وبينما كنت سارحاً وإذ بالموظف يناديني: تفضل تذكرة الصعود حاول أن تسرع إلى البوابة المحددة. كعادتي لم أكن أحمل سوى حقيبة صغيرة بداخلها بعض الأوراق واللاب توب الذي أحب أن يكون معي حتى وإن لم استعمله ولكن ليطمئن قلبي، ذهبت إلى البوابة مع النداء الأخير للرحلة فوجدت المكان خالياً أمام البوابة. كان جميع المسافرين في الأماكن المخصصة لهم كما هو محدد في بطاقة الصعود. لما ولجت الطائرة كانت جميع الوجوه تنظر لي وكأن لي شأن في تأخير تلك الرحلة. لم أكن أعلم أني سأسافر أقولها لنفسي وأنا أتوجّه إلى المكان المخصص لي، وبما أني أحب أثر الأمكنة هدوءاً عندما تغلق الأبواب، أشرع بالبحث عن هذه الأمكنة فإن وجدتها "فبهِ ونعمت" وإن لم أجدها "أرجع إلى قواعدي سالماً" أعود إلى مكاني، ولما كانت عيناي تبحثان عن بغيتي، تسمّرتا فجأة على وجه إحداهن، ووجدتني أسكن بذلك الوجه وعندنا التقت عيوننا أحسست أنه صار لقلبي جناحان، فاخترت أكثر الأمكنة قرباً لها وجلست وأنا ألحظ أنها غير آبهة بمن حولها. إنها المرة الأولى التي أصبح بها أكثر جرأة لا شجاعة لأن للشجاعة أمكنة أخرى ومواقف أخرى، وأنا أحب تلك المواقف التي تدعوك لأن تحبّها هي بحدّ ذاتها بل تدعوك لأن ترغب كتابتها. جلست بحيث أستطيع رؤيتها وتستطيع رؤيتي دونما أي حرج، وهكذا كنت أراها بينما كانت العيون الأخرى ترقب من زاوية أكثر وضوحاً، فعيون المراقب ترى ما لا يراه المرتقب. أخرجت بعضاً من كتبي وأوراقي في محاولة مني لقرائتها، لكن الحقيقة غير ذلك. ثمة نساء كثيرات في تلك الرحلة، والرجال أكثر بطبيعة الحال لكنها كانت تختلف عن الجميع بتلك الجاذبية التي تبدو ـ لي على الأقل ـ مشعّة وخلابة. أخيراً أعلن الكابتن عن وجوب ربط الأحزمة، فيما بدأت إرشادات السلامة، والتي لا يمكنها أن تجلب السلامة فيما لو وقع المكروه، ولكنها تقال فيما يبدو كي تطمئن القلوب أما حينما يقع ما يقع فلا الأحزمة ولا الإرشادات لها ضرّ أو نفع. والمهمّ أننا تبعنا الإجراءات التي تنصّ عليها توجيهات المضيف حتى ولو كنا كارهين، ففي الحياة ما هو أهم من القناعة أو عدمها في بعض ما يكون وبعض ما لا يكون. أخيراً أخذت الطائرة المدرج المخصص لها بعد توجيهات برج المراقبة، وبدأت الطائرة بالتحرّك فيما القلق يخيّم على كل الوجوه حولي بما من فيهم صاحبة تلك الجاذبية حتى وإن تظاهرت بغير ذلك. في تلك اللحظات عاودني ذلك الضجر مما سمعته من بعض الأقارب حولي، ولعلني كنتُ أحاول الابتعاد عنهم ولو لوقت قليل كي لا يحدث ما لا تحمد عقباه، لكن تذكر تلك التفاصيل ألهاني عما يحدث، فقد أقلعت الطائرة وأنا شارد الذهن، وبدأ الخوف يسكن وجوه من حولي بمن فيهم "هي"، وكنت أحاول أن أطمئنها دونما كلمات وبلغة العيون كما يقولون، فقد كنت أجيد تلك اللغة الربانية العالمية والتي لا تحتاج إلى مترجم. بدأت الطائرة تستوي في السماء وتتخذ مسارها الجوّي، وأعلن المضيف حالة زوال الخطر وحرّية التجوّل في الطائرة حين الضرورة، وفككت الحزام لآخذ راحتي وأنا استرق النظر إليها، فيما صارت ترمقني بكل ما أوتيت من حدة البصر. ابتسمت لها وأنا أجدها بنفسي ناسياً تلك المشاعر المضجرة التي كانت تعتمل في نفسي قبيل المغادرة. وبطبيعة الحال لم أستطع القراءة كما كنت أزعم لنفسي وللآخرين!! صحيح أنني كنت أتصفح الكتاب الذي بين يدي، إلا أنني كنت مشغولاً عنه بها، وكنت أنظر لها بحذر شديد خوفاً من أن تلحظ والدتها حديثنا الصامت، وفي لحظات كثيرة التقت عيوننا لا بل تعانقت عناق الأحبة وكأننا نعرف بعضنا من زمن ليس بقريب. كانت تحرك أصابعها بين لحظة وأخرى، ولم أستطع فعل شيء سوى مجاراتها بما تفعل. شعرت بشيء داخلي يتلبسني كما أشعر دائماً، وأخذت المضيفة وجبة الطعام، لكن ما إن مضت إلا وعادت نظراتنا للتلاقي، لكن بعمق أكثر من ذي قبل وبشغف الشوق الذي اعتمل بيننا. كنت أحس بذلك الشعور "معهن" إلا أنه أعمق وأجمل معها. حاولت أن أتملّى ملامحها وأن أرسمها من خلال ما رأيته منها، وفي لحظات كثيرة سولت لي نفسي لو يمتدّ إلى ما هو أكثر من عينيها لأرى ملامحها عن قرب، لا بل لكي أتحسسها. أتذكر أنها كانت تضع نقاباً، وأتذكر أن عينيها سوداوان واسعتان تثيران البهجة في النفس. مرت نظراتي من خلال ما أتيح لي، وهي تشعر بذلك وتتعمد أن تبدي لي بعضاً من مفاتنها بحجة الأكل، وأنا أختلس النظر بكل ما أوتيت من جرأة وحدة بصر، رأيت ما جعلني أصبح أكثر طلباً للحديث معها وأكثر جرأة ـ أي تلك الجرأة التي تقترب من الوقاحة ـ فأنا بتلك الحالة أشعر بما أشعر به لا بما يتقوّله الناس. دامت تلك النظرات عمر الرحلة كله، لكن عمر الرحلة محدود كأعمارنا التي تتناقص كل لحظة، وإذا بصوت المضيف يعلن للجميع الجلوس في مقاعدهم استعداداً للهبوط، وإذا بي أراقب عقرب الساعة كأنني أرغب في تأخيرها.