المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذِكرَى المتَـنَبِي


عاشق ديمه
18-02-2003, 01:54 PM
منذ ألف عام جندلَ فاتكٌ الأسدي في البادية العربية تحت جنح الظلام جبَّارًا عربيًا كان روحَ أمته وفكرتها الوثابة وصورتها البيانية وعلَم مجدها الأدبي، بل كان قلبها النابض ولسانها البليغ وصوتها الداوي، بل كان الوريد من جسمها والدماغ من رأسها. هو أبو الطيب المتنبي
ولو درى ابن أبي جهل أن الرجل الذي هدَر دمه ليلاً كان الأمة العربية كلها عصرئذٍ لأَمسك عن قتله ضنًا بأمته أن تُردى. ولكن أنُّى لذلك السفَّاح أن يدرك ذلك وقد أعمت بصيرته دوافع الانتقام وصرفته أنانيته التي أصابها هجاء ضحيته عن كل رويَّة ونصح وعاقبة فاعتزم الفتك به ولو فتك بآمال شعبه الكبار وكأَنَّ فاتكًا أراد أن يطمس من الوجود ذلك المخلوق الغريب فصرعه وفي ظنه أنه طمسه هيكلاً وروحًا. ولكن فاته أنه لم يصرع غير هيكله الترابي ولم ينل شيئًا من اسمه الذي يرافق الدهر وروحه التي تواكب البشرية وشهرته التي تجوب الأقطار وأناشيده التي يرويها الزمن وأقواله التي تتناقلها الأجيال ومعجزاته البيانية التي ستظلُّ حية ما دامت الفكرة البشرية حية
هناك في ذلك القفر الموحش تفجَّر دم المتنبي فتشرَّبته رماله العطشى. وهنا في العالم الجديد الذي كان يومئذٍ جنينًا في أحشاء الكونُ يُبعث الشاعر بعد ألف سنة ويناجي روحه نفرٌ با للغة نفسها التي سكب فيها عبقريته وبالمقاييس ذاتها التي التزمها بيانه
إن القرون العشرة التي مرَّت على وفاة المتنبي هي كالثانية في عمر الكون.
ولكنها في أعمارنا أمدٌ طويل تتطوَّر فيه الإنسانية مرارًا وتضمحلّ في أثنائه أُممٌ وتخلق أُمم، وتحيا شعوب وتندثر شعوب، وتفنى سلالات وتولد سلالات، وتبرز عوالم وتطمس عوالم، وتنخفض أجناس وترتفع أجناس، وتقوم ممالك وتهوي ممالك. وما كانت هذه التغايرات لتستطيع أن تمحو شيئًا من الأثر الخالد الذي أبقاه أبو الطيب المتنبي. وما كانت الأعاصير الاجتماعية والسياسية والدينية لتزحزح حجرًا من صرح أدبه المكين، بل كان كلُّ جيلٍ بل كل عام من هذه الحقبة الطويلة من الزمن عاملاً في تطبيب خمرته الأدبية. أو كأنَّ كل عام عدسية تُضاف إلى المجهر الذي يرى فيه أدبه، وكلما ازدادت العدسيات ازداد وضوحه وتألقه وانكشفت عوالم جديدة في عالمه الأدبي. وهذا شأن عباقرة البشر يفعل الزمن في تكبير صورهم وتضخم شهرتهم ما يقصر عنه الدعاة. وكلما تعاقبت عليهم القرون رفع الناس أقدارهم وبالغوا في حسناتهم وأغرقوا في تمجيدهم وحاكوا حول أسمائهم براقع الأساطير وقرَّبوهم من مواطن الكمال. فموسى وهوميروس وإسكندر وهنيبال وأفلاطون وأرسطو وفرجيل والمسيح ومحمد ودانتي والمعرِّي والمتنبي والخيَّام وشكسبير ونابليون وغيرهم لم ينالوا في أزمنتهم الشأن الذي نجعله لهم اليوم. وكم من النوابغ الذين اضطُّهدوا وحُقروا وصُودروا في حياتهم أصابوا بعد مماتهم من الرفعة والعظمة والاحترام بقدر تلك الضعة والحقارة والهزء. وهذا المتنبي عينه الذي قال في نفسه مفاخرًا إِنَّ كل بيتٍ يصدره يلتقطه الدهر لينشده ويرويه للأَجيال أكان يخطر في خلده أن مفاخرته التي أوردها تباهيًا على الأقران وزهوًا على الأضداد ستتحقق فيعنى الناس بكل شاردة وواردة من أقواله وبكل صريح وخفيِّ من معانيه ويتخذون من كلماتهِ الأمثال والاستشهاد والعبرة ويتغنون بأشعاره ثم يحشرون اسمه بين أسماء الموهوبين الذين تختارهم الطبيعة بين الألوف لا بل الملايين من البشر!
لا يزال أدب المتنبي بكرًا على رغم كثرة شرَّاحه ونقَـَلة ديوانه فكأَن السنين الأَلف التي مرَّت عليه كانت حناطًا له حفظه من الفناء لكي يقيّض له من يفتح مغالقه ويجلو كنوزه. وقد عُني بعض أدبائنا في هذا العصر بنبش هذه الدفائن الثمينة واستخراج فرائدها فأصابوا شيئًا منها وما بقي موكل على مهرة الباحثين الأخصائيين بفنّ التحليل والسبر. ولهذا نقول إِن أدب المتنبي لمَّا يزل طريفًا حتى في العربية عَلَى رغم القرون العشرة التي طواها
ومَن حلَّل شخصية هذا الشاعر بعض التحليل يجد تباينـًا في خلقها ثم شذوذًا يلازم النوابغ ويرسم منها صورةً ذات ألوان متعددة وأشكالٍ متناقضة ترينا المتنبي رجلاً شجاعًا كريمًا عالي الهمة بعيدًا عن الدنايا طموحًا إلى المعالي نَفورًا من مواطن الضيم يضنُّ بأدبه أن يُمسّ وبنبض كرامته أن يُجس
ثم تُرينا رجلاً نهمًا في حبّ المال استخدم نبوغه وكرامته أحيانًا طمعًا به. ورأى فيه مرقاةً للمجد فقال: لا مجد في الدنيا لمن قلَّ ماله وكفى بقوله هذا دلالةً على أنه كان ينظر إلى الحياة من وجهتها العملية. ولعلَّ شغفه بجمع المال عائدٌ إلى صفة البخل التي اشتهر بها والبخل كان ولا يبرح من أكبر الدوافع إلى الشين والتمسكن والتصعلك لأَن همّ مَن ابتليَ به خزنُ المال وطلبه بأي الطرق
ثم تُرينا رجلاً ذا نزعةٍ كريمة تنبو عن مراتع الخساسة والصغارة لا يبتذل نفسه في أعظم المواقف، وذا نفسٍ وثابة إلى الرفعة والسؤدد فكأَنه كان يشعر بنفسه أنه فوق الناس بمواهبه العقلية فنزع أولاً إلى النبوَّة توصلاً إلى السلطان الديني فلما أخفق سعى إلى السلطان الزمني ونشده على يد كافور والي مصر بمدائحه المشهورة. وأبت أنفته إِلا أن يشترط عَلَى سيف الدولة أن لا ينشده الشعر إِلا قعودًا ولا يقبِّل الأرض بين يديه شأن غيره من الشعراء الذين كانوا يقصدون ابن حمدان طلبًا لنواله
ثم تُرينا رجلاً وفيًا حفيظًا للعهود لا يخفر ذمة صديق ولو أساء إليه. وهذا حادثه مع أبي العشائر مثالٌ عَلَى ذلك. قيل وقعت نفرة بين المتنبي وأبي العشائر بعد صداقة متينة فأوفد أبو العشائر بعض غلمانه ليوقعوا به فقابل أبو الطيب هذا الاعتداء بحلم وقال فيه أبياتًا تدلُّ على سعة صدر منها: فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا فأفعاله اللائي سررن ألوف

م ن ق و ل

بحر البحور
19-02-2003, 12:22 AM
عاشق ديمه



نقل راااااائع لموضوع قيم ومعلومات مفيده لشاعر عربي لا يكفي للحديث عنه
وعن شعره العديد من الابحاث



تحيااااااتي

شيهــــــــانة
23-02-2003, 09:26 PM
أخي عاشق ديمة...

رائع أنت بسبرك أغوار تاريخ شعرائنا المخضرمين..

سلمت يمينك على ما جادت به..

وكلنا شوقاً للقادم..

تحياتي