المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من وراء الحدود .. باتجاه الوطن ..


ساري الليل
06-06-2003, 05:49 PM
عذرا على الاطالة ولكنها تستحق المتابعة ..


من وراء الحدود...
باتجاه: (الوطن)
.
.
.
لو سألتها: بماذا تحلمين!؟
لسردت لك قائمة طويلة. شاطئ بلوري، سحاب كندف الثلج، عصافير بيضاء، وشمس تمطر قوس قزح...
لكنها حتما لن تخبرك بأنها تحلم بأبيها..بوالدها...
منذ متى وأحلامنا التي تهطل في الظلام على هيئة مطر مالح..منذ متى ونحن نجرؤ على أن نتخطى بها حاجز الليل!؟ ونرضى عليها أن تموت بيد شمس لاهبة!؟
والأحرى أن أقف لأتساءل...
منذ متى أيها العالم الصاخب يهمك أن تسأل فراش الربيع شفيف الأجنحة عن أحلامه!؟ أوَلست تهشم هشاشة الأجنحة في قبضة هبوبك وعصفك العنيف!؟ في دوامة انطلاقك الذي لا ينقطع!؟
فإليك عنها، إذا، أو ارفق!
ارفق بـ"وَسْنَى".
وسنى أشد رهافة من أن تبوح لك، في غمرة وحشيتك، أنها تشتاق. تشتاق أباها الذي يسكن على مبعدة "أحبك" عنها. مبعدة أن تمد إليه يديها المتكومتين في حجر صمتها وعجزها. مبعدة أن يمهد صوته وعورة الطريق بينهما فيقول: "تعالي... تعالي إلى جانبي."
...
أبعد الأشياء عنا، والتي نفتقر إليها أكثر من أي شيء آخر، هي التي نظل نهتف بصوت عال أننا نملكها. أننا نحوزها. ويمنحنا الهتاف الصاخب، وتصديق الآخرين، لذة أن نعيش الحلم وكأنه حقيقة.
وتهتف وسنى كل صباح:
- أوه، كنت مع أبي طوال الوقت...
- عفوا، لم أستطع أن أنجز هذا لأني انشغلت بمرافقة والدي في مشاويره...
فتلمع في عيون صديقاتها الغبطة، والغيرة، وربما..الحسد... فيصبح الحلم حقيقة أصدق!!
- والدي قال لي كيت وكيت...
- ربما أقرر أن أسافر معه...
- أوه، حتى عطره لا يحب انتقاءه إلا بمشورتي...
ولأن الحلم الجميل لا يقبل إلا باستيقاظ مذهول، ينزع عن الشفتين نكهة "الآيس كريم" وعن العينين بريق مدن الألعاب، فإن هبوطها من حافلة المدرسة نهاية كل يوم ينزع عن صدرها الحلم فيفرغ ويفرغ حتى يستحيل إلى صندوق كبير وموحش يقطنه قلب وحيد لوجيبه دوي مُثْقَل. وتطرق الباب وهي تدعو بإلحاح ورهبة:
- يا رب ما يكون أبي قد وصل...
...
أيها العالم..لِمَ تعقد حاجبيك الآن وتصبغ حيرتك بالسخرية!؟
أوَبعد هذا تلوم وسنى أنها لا تفصح!؟ لا تفصح لك!؟
فلسفة الحب الصادق مرهفة أيها العالم، فلا تلومن الشفيفة فراشة الربيع إن تجمع الحب والرهبة في نبض واحد. إن تتمنى أن يضمها والدها بقدر ما تتمنى أن لا تجده حين تؤوب.
(مريرا) ما نتمنى غياب الناس الذين يذكروننا بأحلامنا صعبة المنال. الناس الذين كلما جالَسَنَا قربهم حلّ بيننا البعد كثالث، فاتسعت الفجوة بين قلوبنا الراكضة بالأمنيات وواقعنا العالق في وقوف سحيق! وبدا الوقت متخبطا في استدارة غير منسجمة، قد تتقاطع، لكنها قطعا لا تمتزج.
...
لا!
هي ليست مسكينة، وحاذر أن تتكسر نظراتك وأنت ترقب تفلت نظراتها من أكذوبة الكتاب السميك الذي تقرأ فيه. وسنى تنتحي في المجلس الواسع جانبا ليس بالبعيد ولا هو- في الوقت نفسه- قريب بما فيه الكفاية. الكفاية التي تتيح لأخيها، وليد، فرصة أن يستظل بذراع والده كعصفور يستظل بجناح شمس عن خطر الرعود والمطر. أن يشاغب والده فيدفعه على جنبه إلى الأرض، ويبدأ وإياه السباحة في مباهج معركة صبيانية طليقة. أن يترشف ريشه بهجة الدنيا حين تهب عليه نسائم الخير: "يا حبي لك يا وليد!" ، "ما أنت بهين..وربي!!"
في المجلس الواسع تنتحي جانبا ليس بعيدا ولا غريبا بما فيه الكفاية لتقنع وتكتفي بسؤال والدها إياها عن الدراسة. لكنها تعدل من قامتها، وتضبط نبرة صوتها، وتجيب أن أمورها تسير على ما يرام. تغالب حشرجة في صوتها وهي تثرثر بلا اكتراث حقيقي حول الكتاب هذا، والكاتب فلان.. حول النظرية هذه، والفلسفة الداحضة تلك... ولا تبكي!
بقدر البرد الذي يستوطن صندوق صدرها، وبقدر الأطفال اليتامى الذي يتكاثرون بالآهات فلا يحنو عليهم ملجأ... بقدر عواء الريح القارصة، وصهيل الأشباح المرهبة... بقدر ذلك كله واستيطان أبوها الأفق كملجأ يحمل راية الوطن الأكبر و الأدفأ... فإنها لا تبكي عجزها.
تبتسم، وتعود لتقرأ.
...
وأنت أيها العالم، أتراك تحك رأسك الآن و تقول أنك بسبب الابتسامة لم تتعرف على فراشة الربيع من قبل، ولذا لم ترفق!؟ أتراك كنت تنتظر –لأجل أن تتعرف عليها- أن تسقط من قبضة عصفك فراشة كسيرة كاسفة كالخريف!؟
سل الألوان يا عالم، وستعرف! ستعرف أن الانكسار والبكاء لغة تتقنها ابتسامة الألوان. إذ ليست الألوان -كما تظن- رمز الانتعاش والبهجة. الألوان، يا عالم، في الأساس لون أبيض سقيم. هذا الأبيض بعد أن عب من الشحوب والمرض الكفاية، وبعد أن استوطن صباح الناس حتى ملأه بالأكفان والبكاء، قرر أن يوظف ما بقي فيه من حياة ليتضرج بالألوان ويصنع شيئا مختلفا في حياة الناس. أن يتخذ من حزنه العميق مِعبرا يقول: "لا أحب هذا لي، ولا أملك أن أمنعه عني، فلأمنعه إذا عن الآخرين."
ووسنى تضحك للجميع. تلون السماء. لا تتوقف عن هدهدة الأطفال الباكين، والشيوخ اليائسين. ولا عن الهمس بغير لغة، وبكل لغة، "أحبكم".
لكنها...
لكنها –رغم ذلك- تعرف لغة واحدة وحيدة في حضرة أبيها. لغة تقول: "أنا شاطرة!"، "بطلتك أنا..." فتصنع عصير البرتقال، وتروي عن نفسها ما استطاعت جمعه من أساطير صراعاتها اليومية وانتصاراتها القوية. وتظل تتوق إلى أن تتخاطب معه بغير هذه اللغة. تتوق أن تعود –من جديد- طفلة بحجم الكف. كف والدها الدافئ فيرفعها إلى فــ......وق! في الفجر يرفعها إلى الأفق. إلى حيث يصطخب الفضاء بغابات الضياء البكر. إلى مدى لا آخر له ولا أول.
...
ورغم الملوحة المتركزة أعلاه، يحدث يا عالم أن تهرع وسنى إلى حجرتها لتندس في فراشها. وهناك، بنبضات تتلاحق، تقتات على حوار طارئ رشق مدينتها القاحلة بالماء والخبز. حوار امتدحها فيه والدها. تفتح أصابعها العشرة لتحسب عدد الأيام التي مَرّت على آخر مرة اندست في فراشها بهذه الصورة العفوية الصاخبة. فتكتشف أن أصابع يديها العشرة لا تكفي. تسحب من تحت اللحاف ساقيها وترفع قدميها باتجاه السقف. تؤرجحهما وتضحك. تحاول، كما كانت في طفولتها تفعل، أن تغلق أصابع قدميها واحدا واحد لتحسب عليهما المزيد من الأيام. يحصل أحيانا أن لا تكفي أصابع القدمين واليدين مجتمعة...
وتتساءل حينها، لم لا ينهمر الخبز والماء على مدينتها إلا مرة واحدة في الشهر أو أقل!؟ هل الجوع والعطش هما السبيل الوحيد إلى أن تتذوق بامتنان نكهة الارتواء و الشبع!؟ ثم... هل عدلٌ أن تظل تستقبل مديح والدها وثناءه كطفل نضج عمره، وبقي جسده رغم ذلك ضعيف البنية رقيق العظم والجلد، فتسقط مثقلة بدهشة الخبز والماء وتنهض سريعا لتقتات عليهما بارتباك ولهفة!؟
...
ولأن الأسئلة، أيها العالم، تنجِبُ أسئلة. تتساءل وسنى بعد أن تخفي رأسها جيدا أسفل اللحاف: هل بدأ والدها، مذ فاض عمرها عن عدد أصابعها، يستعيد ربكة الأطفال!؟ وهل تساقطت بذلك اللغات من بين شفتيه فما عاد يتقن غير واحدة!؟
"كوني بطلة!"، "أفاخر بكِ!!"
لغة تتعدد حروفها، فمنها ما ينطق: "كيف الدراسة!؟" ومنها ما ينطلق في غيابها فيقول: "ابنتي تفعل كذا وكذا...هي مميزة عن باقي قريناتها!"!؟
وتتساءل بصوت أشد خفوتا، إن كان والدها هو الآخر يندس في التفكير، ووراء الجدران الإسمنتية –بعض الأمسيات- يعاوده الشوق إلى الماضي...إلى ابنته التي يستطيع أن يحملها على راحة ذراعه...إن كان يشتاق إلى أن تداعب الطفلة وسنى لحيته، وتقرص أنفه، وتطرق أسنانه بأطراف أصابعها وتضحك: "بابا حبيبي..."
بفضول الصغار تدفن رأسها في بطنه الكبير، ثم ترفع الاستفهامات إلى السماء "بابا في كورة!؟"
فيتخفف من أثقال الجاذبية، ويطير بها إلى السحاب مقهقها...
"لا! هذي كرشة..."!
.
.
.
.
__________________
لا حياة لفكرة لم تتقمص روح إنسان.



نقلتها لكم لاعجابي بها .. اتمنى ان تنال رضاكم ..


تحياتي ..

سميرة
06-06-2003, 06:03 PM
إختيار موفق ساري

شكرا لك

نادر
06-06-2003, 06:08 PM
موفق ياساري

نادر

اسير الهوى
06-06-2003, 06:09 PM
جميل ماكتبته وسردته باياديك

سلمت وسلم قلمك ياساري الليل

تحياتي

ندى الحب
07-06-2003, 12:24 AM
مشاركة حلوة يا ساري
شكرا يا ذوق ;)